إن الدين احق لا يمكن ابتداء أن يكون عقيدة مفصولة عن الشريعة .. فالالتزام بالشريعة - في دين الله الحق - هو مقتضى العقيدة ذاتها . مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .. بحيث لا تكون الشهادة صحيحة وقائمة إن لم تؤد عند صاحبها هذا المعنى ، وهو الالتزام بما جاء من عند الله ، والتحاكم إلى شريعة الله ، ورفض التحاكم إلى أى شريعة سوى شريعة الله .
{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65) } [سورة النساء 4/65]
يقول ابن تيمية في كتاب الإيمان (ص 33 من طبعة دار الطباعة المحمدية بالقاهرة) :
"والمقصود هنا أن كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان والإسلام والدين والصلاة والطهارة والحج وغير ذلك فإنما يكون لترك واجب في ذلك المسمى .. ومن هذا قوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل ذلك على أن هذه الغاية فرض على الناس فمن تركها كان من أهل الوعيد".
لقد نزل هذا الدين ليعطى التصور الصحيح لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ، وليقيم في عالم البشر واقعا محكوما بهذا التصور ، منبثقا عنه ، مرتبطا به ، متناسقا معه في كلياته وجزئياته ، ولا يتصادم معه ولا ينحرف عنه .
فالله الخالق البارئ المصور ، الرازق المحيى المميت ، المدبر اللطيف الخبير ، عالم الغيب والشهادة .. بكل أسمائه وصفاته الواردة في كتابه المنزل ، هو المتفرد بالألوهية والربوبية ، وهو المستحق للعبادة وحده بغير شريك ..
وكل ما في الكون وكل من في الكون غيره سبحانه هم خلقه وعباده .. واجبهم عبادته وحده بغير شريك .
والإنسان واحد من خلقه .. متميز .. نعم .. مكرم نعم .. ذو وعى وإدراك وإرادة وفاعلية .. نعم . ولكنه مخلوق من مخلوقات الله ، واجبه ككل خلقه الآخرين محصور في عبادة الخالق وحده بغير شريك .
ولقد كرمه الله بالوعى والإدراك والإرادة والفاعلية ، وأعطاه قدرا من الحرية في تصرفاته الإرادية يملك به أن يسير في طريق الطاعة وأن يسير في رطيق العصيان .. ولكنه لا يرضى من عباده إلا أن يعبدوه:
{إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [سورة الزمر 39/7]
والذى يقرر العبادة المفروضة على كل كائن من الكائنات هو خالق الكائنات جميعا ، الذى خلقها وحده بغير شريك ، ومن تفرده بالخلق ينشأ انفراده بالحاكمية:
{أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [سورة الأعراف 7/54]
وبحق الحاكمية الناشئ من التفرد بالخلق أمر الإنسان أن يعبده وحده ويخلص العبادة له:
{إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} [سورة يوسف 12/40]
{أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [سورة الزمر 39/3]
{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (11) } [سورة الزمر 39/11]
وإخلاص العبادة يقتضى الاعتقاد بوحدانية الله سبحانه وتعالى ، ويقتضى توجيه الشعائر التعبدية له وحده ، ويقتضى كذلك التصديق بكل ما جاء من عنده على لسان رسول صلى الله عليه وسلم ، والاحتكام إلى شريعته وحدها دون الشرائع الجاهلية التى يصنعها البشر من عند أنفسهم دون سلطان من الله والإخلال بأى واحدة من هذه الثلاثة يوقع الإنسان في الشرك ويخرجه من دائرة الإيمان:
{وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} [سورة النحل 16/35]
كما قالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) } [سورة ص 38/5]
فهذه هى الثلاثة التى أوقعتهم - أساسا - في الشرك: توجيه الشعائر التعبدية لغير الله ، والتحليل والتحريم من دون الله ، والاعتقاد بوجود آلهة مع اله ..
وكلها مجتمعة شرك ، وكل واحدة بمفردها شرك لا يستقيم معه إيمان ..
والمعاصى تقع من البشر جميعا: كل بنى آدم خطاء" (1) "
ولكنها لا تخرجهم من الإيمان باتفاق علماء الأمة ..
إلا أن يجعلوها شرعا فعندئذ يكفرون بها . بل هم يكفرون بالتشريع ولو لم يرتكبوا المعصية بأنفسهم .. فالذى يقول - بلسانه أو بفعله - إن الله أمر بقطع يد السارق ولكنى أرى أن العقوبة المناسبة للسارق هى السجن - وهو ما تفعله العلمانية الجاهلية - فقد كفر بذلك وإن لم يسرق بنفسه ولم يفكر في السرقة .
(1) ""رواه أحمد .