فهرس الكتاب

الصفحة 4778 من 27364

دين يهمل الحياة الدنيا بدعوى تفاهتها وحقارتها وعدم جدارتها بالاهتمام ، وبدعوى أن الإنسان خاطئ بطبعه ، ولا سبيل إلى إصلاحه في الحياة الدنيا وكفه عن الخطيئة إلا بكفه عن ممارسة الحياة ذاتها - بالرهبانية - وتوجيه اهتمامه كله للآخرة ، والإيمان"بالمخلّص"، لأن هذا وحده - لا العمل الصالح في الدنيا - هو سبيل الخلاص والجلوس عن يمين الرب في جنة الفردوس في اليوم الآخر .

دين يحتقر الجسد ويشمئز من نشاطه الفطري ، لأن هذا النشاط هو الذي يوقع الناس في الخطيئة ، وما دفع إلى الخطيئة فهو ذاته خطيئة ! وعلاجه الوحيد هو الكبت والقهر (1) .

دين يحقّر الإنسان ليمجد الرب .. كأنما لا يتحقق تمجيد الرب إلا بتحقير الإنسان ... وذلك بدعوى ان الإنسان إذا اتجه لتحقيق وجوده تمرد على الرب ، فلا بد من سحقه وإذلاله وتحقيره لكي يتمجد الرب في قلبه ، فيحصل على الخلاص ! (2) .

دين يصرف الناس عن عمارة الأرض ، وعن ترقية الحياة وتنميتها ، بدعوى أن ذلك سيصرف الناس عن التوجه إلى الآخرة ، وسيحرك شهواتهم التي لا بد أن تكبت ، ومن ثم يوقعهم في الخطيئة الواقفة للإنسان بالمرصاد !

دين يحارب العلم ، بسبب جهل البابوات ورجال الدين ، وعدم اهتمام غالبيتهم بتثقيف أنفسهم ، واكتفائهم بسلطانهم الروحي على الجماهير ، وانكبابهم على"الكتاب المقدس"بكل ما فيه من تحريف ، على اعتبار أنه يحوي كل العلم المطلوب للإنسان في دنياه من أجل الخلاص في الآخرة !

دين لا يؤمن بالحركة النامية لأنه يؤمن بالثبات المطلق في كل شيء ، ويعتبر أي تغيير في الصورة خروجاً على الأصل الثابت الذي ينبغي أن تكون عليه الأشياء ، لأنها وجدت على هذه الصورة بإرادة الله ، فينبغي أن تبقى كذلك تمجيداً لإرادة الله ، وزجرا للإنسان - في تفاهته وحقارته - أن يتمرد على إرادة الله !

دين يحجر على العقل أن يفكر ، بدعوى أنه حين يفكر يزيغ ! ولا سبيل إلى منعه عن الزيغ إلا بمنعه عن التفكير ! ويكفي الأمة أن ينوب عنها الآباء ( البابوات ) في كل شيء . هم يفكرون لها ، وهم يفسرون لها ، وهم يعطونها الإجابة الصحيحة عن كل ما يخطر لها ، لا بعلم حقيقي ، ولكن بأنهم نواب بطرس وخلفاؤه ، وبطرس مفوض من الرب - أي عيسى ابن مريم عليه السلام في زعمهم ، ونستغفر الله من الشرك - وما يربطه في الأرض لا يحل في السماء ، وما يحله في الأرض لا يربط في السماء ! فهم بهذه الخلافة يتحدثون باسم الرب ، وكلامهم له صفة القداسة بذلك التفويض الإلهي ، وهم كذلك معصومون لأنهم خلفاء خليفة الرب .. فلا بد أن يكون قولهم هو الصواب !

دين لا يشعر الناس في ظله بالأمن .. فهم مهددون في داخل أنفسهم بالشعور الدائم بالخطيئة أو الخوف من الوقوع فيها ، ومهددون من خارج أنفسهم بسلطان الكنيسة الطاغي التي لا تكتفي - في محاسبتها للناس ورقابتها عليهم - بما يظهر منهم بالفعل ، بل بما يحتمل أن يظهر منهم في يوم من الأيام .. فتبدأ بسوء الظن ، وتثنىّ بالملاحقة المستمرة برغبة مسبقة أن تعثر على ما يدين الناس ويوقعهم تحت طائلة العقاب .. ويا له من عقاب ذلك الذي تقوم به محاكم التفتيش !

ليس العجب أن تنفر أوربا من ذلك الدين وتتمرد عليه ..

إنما كان العجب أنها صبرت عليه كل تلك القرون التي صارت - فيما بعد تمردها - تسميها"القرون الوسطى المظلمة"!

ولكن الواقع التاريخي يقول إنها لم تبدأ تمردها على ذلك الدين إلا بعد احتكاكها بالمسلمين ، وبصفة خاصة بعد هزيمتها في الحروب الصليبية ..

عنئذ بدأت أوربا تحس بمقدار الظلام الذي عاشت فيه كل تلك القرون ، وبدات تتوق للخلاص الحقيقي من أوهاق الكنيسة وطغيانها ، وبدأت تهفو إلى الإسلام بتأثير"الغزو الفكري الإسلامي"الوافد إلى أوربا من الشرق والغرب والجنوب ، مع حركة الترجمة بصفة خاصة ..

وهنا جن جنون الكنيسة - كما ألمحنا من قبل - وقامت تحارب التأثير الإسلامي بكل الوسائل ، وكان من بين تلك الوسائل تكليف الكنيسة لكتابها ومفكريها أن يشوهوا صورة الإسلام والمسلمين في عيون الأوربيين لينفروهم من الدخول في الإسلام ، وتوجيه أقبح الشتائم لرسول ا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، ونفي الرسالة والوحي عنه ، وتصوير الإسلام بأنه دين شهواني فظ غليظ عدواني سفاك للدماء .. كما كان من بين تلك الوسائل أيضا محاكم التفتيش !

وحينئذ وقعت أوربا في المأزق الذي تعاني آثاره حتى اليوم ، حين نفرت من دينها المحرف ، ومن الحكومة"الثيوقراطية"- حكومة رجال الدين - وأوصد الباب أمامها في الوقت ذاته إلى الدين الصحيح ..

(1) الكبت شيء والامتناع الإرادي شيء آخر ( انظر إن شئت كتاب"الإنسان بين المادية والإسلام ص 73 - 91 ) فالكبت هو استقذار الدافع الغريزي في ذاته وعدم الاعتراف له بشرعية الوجود ، سواء مارسه الإنسان في الواقع أم لم يمارسه . أما الامتناع الإرادي فلا يلزم منه الاستقذار ."

(2) لاحظ حرص الرهبانية والصوفية كلتيهما على إذلال كيان الإنسان لتخليصه من الإحساس بذاته لكي يَخْلُصَ لله !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت