فهرس الكتاب
وكانت"العلمانية"، بما تشتمل عليه من إبعادٍ للدين عن الهيمنة على واقع الحياة ، وعزله عن النفوذ السياسي بصفة خاصة ، وتقرير حق الإلحاد ، والمنافحة عنه ، وحق مهاجمة الدين ومفاهيمه لمن أراد ذلك .. كانت العلمانية - بهذه الصفات - هي سبيل الخلاص - في نظر أوربا - من ربقة ذلك الدين ، الذي يمثل في حسها الظلام والأغلال التي تسحق وجود الإنسان !
الدين الحق
إذا كانت تجربة أوربا مع دينها هي تلك التجربة البئيسة التي انتهت بها إلى العلمانية فإن دين الله ليس كذلك . لم يكن كذلك حين أنزل من عند الله ، ولم يكن كذلك في التطبيق العملي في الواقع التاريخي .
يقول تعالى: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ ) (1) .
هو إسلام الوجه لله ، وعبادته وحده دون شريك ، واتخاذ أوامره وتعليماته منهجا للحياة .
وهذا الوصف لدين الله ليس خاصا برسالة معينة من الرسالات السماوية ، بل هو وصف لكل رسالة أنزلت من عند الله من لدن آدم ونوح إلى صلى الله عليه وسلم ، ولكنه أشد ما يكون انطباقا على الرسالة الخاتمة التي أنزلت على خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ، والتي تمت بها النعمة الربانية واكتمل الدين:
( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ) (2) .
( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ .. ) (3) .
كل رسالة جاءت من عند الله كانت عقيدة وشعيرة وشريعة ومنهج حياة (4) .
فأما العقيدة فلم تتغير على مدى الرسالات كلها ، وليس من شأنها أن تتغير . لا إله إلا الله . اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .
وأما الشعائر من صلاة وصيام وزكاة فلم تتغير في عمومها ، وإن اختلفت تفصيلاتها وهيئاتها من رسالة إلى رسالة عبر التاريخ .
وأما الشرائع فقد اختلفت اختلافا واسعا بحسب أحوال الأقوام الذين أرسل إليهم الرسل واحتياجاتهم ، حتى جاءت الشريعة المكتملة مع الرسالة الأخيرة ، التي نزلت للبشرية كافة ، وللزمن المقبل كله من لدن بعثة صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، واكتمل معها منهج الحياة الذي يريد الله سبحانه وتعالى أن تسير عليه البشرية إلى يوم القيامة .
ولحكمةٍ أرسل الله الرسل ، وأنزل معهم البينات:
( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) (5) .
تلك هي حكمة إرسال الرسل إلى البشرية .."ليقوم الناس بالقسط". وأداة تحقيق القسط في واقع الناس هي الكتاب والميزان ؛ والرسولل هو المبلغ والمبيّن والشارح والمعلم والقدوة الذي يعلم الناس كيف يقيمون حياتهم بالقسط:
( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (6) .
( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (7) .
ومن رحمة الله بعباده أنه لم يتركهم بلا هداية لكي لا يضلوا ، ويطغى بعضهم على بعض فيختل الميزان ويضيع القسط .
والخلل في حياة الناس يمكن أن يأتي من داخل النفس أو من خارجها .
فأما من داخل النفس فقد اقتضت مشيئة الله - وقد خلق الإنسان ليعبده ، وخلقه ليبتليه - أن يجعل مادة الابتلاء - بمعنى الاختبار - هي متاع الحياة الدنيا ، والشهوات المربكة في كيان الإنسان تجاه ذلك المتاع:
( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (8) .
( إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) (9) .
( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) (10) .
والابتلاء الذي يتعرض له الإنسان بشأن متاع الحياة الدنيا هو الأسلوب الذي يتناول به ذلك المتاع ، والقدر الذي يتناوله منه ، والحدود التي يقف عندها أو يصل إليها . بعبارة أخرى هل يلتزم في تناوله لذلك المتاع بما أنزل الله ، فيلتزم بالحلال الذي أحله الله والذي يعلم أن الخير متحقق به ، ويمتنع عن الحرام الذي حرمه الله ، ويعلم سبحانه أن الشر متحقق فيه ، أم تجرفه شهواته فيتجاوز حدود الله ويقع في المحظور .. ؟
(1) سورة آل عمران [ 19 ] .
(2) سورة المائدة [ 3 ] .
(3) سورة الصف [ 9 ] .
(4) انظر إن شئت كتاب"لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة".
(5) سورة الحديد [ 25 ] .
(6) سورة النحل [ 44 ] .
(7) سورة الأحزاب [ 21 ] .
(8) سورة الذاريات [ 56 ] .
(9) سورة الإنسان [ 2 ] .
(10) سورة آل عمران [ 14 ] .