فهرس الكتاب
أما من خارج النفس فهناك غواية الشيطان الذي أخذ على عاتقه غواية بني آدم ليعصوا الله ويتجاوزوا حدوده:
( قالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) (1) .
والأداة التي يستخدمها الشيطان في الغواية هي ذلك المتاع ، وما ركب في كيان الإنسان تجاهه من شهوات ، فينفخ فيها لتشتعل ، ليصعب على الإنسان الضبط فينجرف وراء الشهوات .
والابتلاء الذي يتعرض له الإنسان من قبل الشيطان هو ذات الابتلاء: هل يطيع الله ويلتزم بما أنزله من حلال وحرام ، وله على ذلك الجنة ، أم يطيع الشيطان الذي يؤزه لمعصية الله ، وجزاؤه على ذلك النار ؟!
( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ(2) إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) (3) .
تلك قصة الإنسان على الأرض .. وذلك مصيره يوم يلقى الله ... ابتلاء في الحياة الدنيا ، وجزاء في الآخرة .
ولكن الله لم يترك بادئ ذي بدء الأداة التي تعينه على ضبط ما ركب في كيانه من شهوات:
( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (4) .
ثم أرسل له الرسل لإيقاظ تلك الأفئدة لكي لا تغفل عن مهمتها ، وجعلهم مبشرين ومنذرين ليقوموا بعملية التذكير:
( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (5) .
)وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) (6) .
وبذلك تتلاقى الجوانب كلها ، ويرتبط بعضها ببعض ارتباطا محكما ، ويختار الإنسان طريقه على بينة من أمره ، ويتحمل مسئولية اختياره:
( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (7) .
( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) (8) .
وتتضح في ذلك الإطار مهمة الرسل في حياة البشرية ، ومهمة الدين في حياة الإنسان ..
لا غنى للإنسان عن الدين ..
فإذا كان الإنسان قد خلق لعبادة الله ، فالدين هو الذي يبين له الطريق الصحيح لعبادة الله ، وإذا كان قد خلق في الوقت ذاته للابتلاء فالدين هو الذي يبين له الطريق الصحيح للنجاح في الابتلاء .
ثم إن الإنسان عابد بفطرته ، سواء استقامت فطرته على الأصل الذي فطرها الله عليه أم انحرفت لسبب من الأسباب:
( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ) (9) .
"إني خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين .." (10) .
ومن ثم فليس له في العبادة إلا إحدى حالتين: إما أن يكون عابدا لله ، وإما أن يكون عابداً لغير الله ، وحين يكون عابداً لغير الله فإنه يكون عابداً للشيطان ، ذلك أنه لا توجد إلا هاتان العبادتان فحسب ، وإن كانت لعبادة الشيطان سبل مختلفة وأسماء مختلفة ، ورايات مختلفة ، ولعبادة الله صراط واحد مستقيم:
( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) (11) .
وحين يعبد الإنسان الله يكون"في أحسن تقويم"وحين يعبد الشيطان يكون في"أسفل سافلين"، ومهمة الدين في حياة الإنسان أن يرفعه دائما ليكون في أحسن تقويم ، ويمنعه أن يسقط أسفل سافلين ..
إذا عرفنا مهمة الدين في حياة الإنسان فلزم أن نعرف في الوقت ذاته ما هو"الدين"!
وقد يبدو السؤال من البداهة بحيث لا يحتاج أن نسأله ولا يحتاج أن نجيب عليه !
ومع ذلك فتحديد معنى الدين قد أصبح - بسبب العلمانية المنتشرة في الأرض ولأسباب أخرى - قضية ذات أبعاد خطيرة .. قضية تعقد من أجلها الندوات ، وتؤلف الكتب ، وتلقى المحاضرات .. ويدخل قوم من أجلها السجون ، وتعلق المشانق ويستشهد الشهداء !
لا جرم أنها القضية الكبرى في الوجود ...
من أسباب الغبش الذي يغشّي قضية الدين تلك الغربة التي يعيش فيها الإسلام اليوم:
"بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء" (12) .
(1) سورة الأعراف [ 14 - 17 ] .
(2) العبادة هنا معناها الطاعة والاتباع .
(3) سورة يس [ 60 - 61 ] .
(4) سورة النحل [ 78 ] .
(5) سورة النساء [ 165 ] .
(6) سورة الذاريات [ 55 ] .
(7) سورة الشمس [ 7 - 10 ] .
(8) سورة الزلزلة [ 7 - 8 ] .
(9) سورة الأعراف [ 172 ] .
(10) أخرجه مسلم .
(11) سورة الأنعام [ 153 ] .
(12) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي .