فهرس الكتاب

الصفحة 4781 من 27364

ومن أسبابها ثقل"الأمر الواقع"على حس الناس ، وهو أمر واقع بعيد عن الصورة الحقيقية للإسلام .

ومن أسبابها بروز المعنى الذي فهمته أوربا من الدين - بسبب غلبة أوربا اليوم على الأرض - ومفاده أن الدين علاقة بين العبد والرب ، محله القلب ولا شأن له بواقع الحياة ! على أساس أن الدين لله والآخرة ، والواقع"لقيصر"يصرّفه كيف يشاء !

فإذا أضيفت إلى ذلك الفكرُ العلمانيُ (1) الذي يسود الأرض اليوم ، والذي يفصل الدين عن السياسة ، ويعزله عن الهيمنة على أمور الناس"الحياتية"فقد وصل الغبش إلى قمته ، وأصبح الأمر في حاجة إلى البيان الشديد !

مرجعنا في أمور الحياة كلها كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم:

( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) (2) .

( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (3) .

( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) (4) .

فإذا رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، فكلمة الإسلام العظمى هي شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله . ومعناها عبادة الله وحده دون شريك ، والالتزام بما جاء من عند الله عن طريق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم

فما مقتضيات هذه الكلمة العظيمة التي يدخل الإنسان بها في الإسلام ؟

إن لها مقتضيات شتى نستخلصها كلها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم

وربما كأن أيسر طريق إلى ذلك أن نعرف بأي شيء كان المشركون مشركين ، لنعلم - في المقابل - كيف يصبح المسلمون مسلمين ، تحقيقا لقوله تعالى ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا ) (5) .

نجد في كتاب الله هذه الأحوال والصفات للمشركين:

(ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) (6) .

( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ) (7) .

( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) (8) .

ثم جاء وصفهم في آيات أخرى بأنهم"يبخلون بما آتاهم الله من فضله"و"ينفقون أموالهم رئاء الناس"وأنهم هلوعون جزعون ، وأنهم مطففون ، وأنهم"ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ، ويفسدون في الأرض"وأنهم يقتلون النفس التي حرم الله ، ويزنون ، وينحرفون في تعاملهم مع الناس انحرافات شتى ..

وخلاصة ذلك أنهم يرفضون الإقرار بوحدانية الله ، وينكرون البعث ، ويكذبون برسالة صلى الله عليه وسلم ، وهي كلها أمور تتعلق بالاعتقاد .

وأنهم يعبدون مع الله آلهة أخرى يتقدمون لها بألوان من العبادة لا تحق لغير الله سبحانه وتعالى .

وأنهم يحرمون ويحلون من دون الله ، أي يشرعون بغير ما أنزل الله .

وتلك الثلاثة: شرك الاعتقاد ، وشرك العبادة ، وشرك الاتباع ( أو شرك التشريع ) هي الجذور الأساسية الكبرى للشرك ..

ثم هناك أخلاقيات وأعمال أخرى نابعة كلها من أحد تلك الأنواع الثلاثة أو منها جميعا ، ويمكن أن نطلق عليها"متعلقات الشرك"..

ومقتضى ذلك - في المقابل - أن يكون مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله هو البراءة من ألوان الشرك جميعا ومن متعلقاته .

(1) يلاحظ أن"العلمانية"بمعنى فصل الدين عن الدولة ، قديمة في الفكر الكنسي الذي قال:"أدّ ما لقيصر لقيصر وما لله لله"! ولكن الكنيسة في أيام سطوتها فرضت سلطانها على قيصر لا لتلزمه بالحكم بما أنزل الله ، بل لتلزمه بأهوائها . أي إنها فرضت سلطانها هي ولم تفرض سلطان الشريعة . وهذا الذي جاءت العلمانية الحديثة لتقضي عليه ، وهو على وجه التحديد: فصل الدولة عن نفوذ رجال الدين !

(2) سورة الشورى [ 10 ] .

(3) سورة الحشر [ 7 ] .

(4) سورة النساء [ 64 ] .

(5) سورة البقرة [ 256 ] .

(6) سورة ص [ 1 - 5 ] .

(7) سورة سبأ [ 7 - 8 ] .

(8) سورة النحل [ 35 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت