فهرس الكتاب

الصفحة 4785 من 27364

( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً ) (1) .

( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) (2) .

ولم تكن دعوة القرآن للناس مجرد دعوة إلى التفكر بلا هدف محدد ولا ضابط ، إنما هي دعوة للبحث عن الحقيقة ، والاهتداء في أثناء البحث بالدليل ، والتجرد من الهوى الذي يفسد الحكم ، والشعور بالمسئولية عن كل حكم يصدره الإنسان .. وتلك - في عبارة مختصرة - هي أدوات المنهج العلمي في البحث ، التي قامت عليها النهضة الفكرية الهائلة التي قدمها المسلمون للبشرية ، والتي بدأت أوربا نهضتها بالاقتباس منها والبناء عليها:

( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (3) .

( قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ) (4) .

( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) (5) .

( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ .. ) (6) .

( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ) (7) .

( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ ) (8) .

وفي ظل هذه التوجيهات أعمل المسلمون فكرهم في كل مجالات البحث ، لا يشعرون بالتناقض بين مقتضيات دينهم ومقتضيات فكرهم - إلا من شذ منهم بتأثير الغزو الفكري اليوناني أو شطحات الصوفية ، وهم قلة على أي حال في خضم الإنتاج الفكري الهائل الذي أنتجه المسلمون - ولم يكن هناك هيئة من"الإكليروس"تراقب أعمالهم لتقدمهم إلى محاكم التفتيش ، إنما كانت هناك ضمائرهم تحاسبهم لكي يقولوا الحق ولا يحيدوا عنه ، وكان"الحق"الذي يمثله دينهم يملأ قلوبهم فيزيدهم قربا من الله كلما اكتشفوا جديداً من العلم ، فكانوا كما قال الله عنهم ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (9) .

أما قضية الثبات والتغير ، فالمسلمون هم أساتذة هذا الفن .. فن الاجتهاد في إطار النص ، والاجتهاد - فيما لا نص فيه - في إطار مقاصد الشريعة ..

إن هذا هو"الفقه الإسلامي"الذي أعطى منذ القرون الأولى تلك الثروة الهائلة التي ما تزال تنير الطريق للسالكين ، والتي تمثل ذخيرة صالحة للاستمداد منها ما بقيت هذه الأمة في الأرض ، بما وضعت - في علم أصول الفقه - من قواعد لمواجهة كل جديد يجد في حياة الناس ..

لقد أدرك المسلمون منذ اللحظة الأولى التي انقطع فيها الوحي بوفاة الرسو صلى الله عليه وسلم ، أنه لا بد من الاجتهاد لمواجهة الظروف الجديدة التي لم يتنزل فيها بذاتها نص في الكتاب أو السنة . فلم يضيقوا بالجديد ، ولم يقفوا أمامه حائرين ، وفي الوقت ذاته لم يتبعوا أهواءهم بغير ضابط ، بحثا عما يرون هم - بمجرد الهوى - أنه هو"المصلحة"التي يتحقق بها الخير . ذلك أنهم آمنوا ابتداء أن دين الله المتمثل في كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم هو الحق . وهو القسط . وهو"المصلحة"في الدنيا والآخرة وأن فيه وحده الهدى ، إما بنص مباشر أو بقاعدة يستنبطون منها ، وأن مخالفة نصوصه أو مخالفة قواعده لا تأتي بخير ولا تتحقق منها مصلحة ، مهما بدا للإنسان بنظره - أي بمجرد هواه - أن الأمر غير ذلك .. وأنه لا يحدث في الأرض شيء لا يكون له حكم في كتاب الله .. (10) .

وآمنوا في الوقت ذاته أن الحياة لا يمكن أن تسير على وتيرة واحدة دون أن تجدّ فيها أحداث . وأنهم لا يستطيعون - ولا يستطيع بشر - أن يوقفوا الحياة عند نقطة معينة أو يضبطوها في قالب معين لا تخرج عنه .. ولكن لا ينبغي للتغير في الوقت ذاته أن يخرج الناس عن الصراط الذي رسمه الله لهم في وحيه المنزل .. إنما تتغير الحياة ، وتظل في تغيرها محكومة بثوابت الوحي ، لكي لا تأسن من ناحية ، ولا تضل من ناحية أخرى وتنفلت بلا ضابط .

وهكذا كانت قضية الثابت والمتغير واضحة تماما في أذهانهم ، وكانت هي الدافع الذي دفع الفقهاء إلى الاجتهاد ، وإلى الإيمان بأن الاجتهاد لا يتوقف ما بقيت الحياة .

(1) سورة الفرقان [ 73 ] .

(2) سورة آل عمران [ 190 - 191 ] .

(3) سورة النمل [ 64 ] .

(4) سورة الأنعام [ 148 ] .

(5) سورة الإسراء [ 36 ] .

(6) سورة النجم [ 23 ] .

(7) سورة"المؤمنون" [ 71 ] .

(8) سورة يونس [ 32 ] .

(9) سورة فاطر [ 28 ] .

(10) يقول الشافعي رحمه الله:"فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها"الرسالة للشافعي تحقيق الشيخ أحمد شاكر ص 20 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت