فهرس الكتاب
إذا كان هذا دين الله الحق ، في أصوله المنزلة من عند الله ، المحفوظة بحفظ الله لها ، كما هو في التطبيق الواقعي الذي استمر عدة قرون ، وأضاء للدنيا كلها مسالك الطريق ، قبل أن يتقاعس المسلمون عنه في الفترة الأخيرة ، فينحسروا ويتقهقروا ويتخلفوا ويضعفوا .. فأي شيء في هذا الدين يدعونا إلى نبذه وعزله عن الحياة ، واستبدال غيره به ليخرجنا منه ؟ !
إنما يكون علاج ما نحن فيه من انحسار وتقهقر وتخلف وضعف ، أن نعود إلى منبع القوة الذي تقاعسنا عنه ، وإلى نقطة الانطلاق التي منحتنا من قبل الحياة والتقدم والازدهار .. وهو ما تحاوله الصحوة الإسلامية اليوم ، ونرجو أن تنجح فيه ..
حقاً هناك نقطة واحدة هي التي يتمسك بها العلمانيون في جدالهم كله ، ويركزون عليها ليدّعوا وجاهة دعواهم في فصل الدين عن الدولة ، وهي وجود الاستبداد السياسي على فترات متطاولة من تاريخ المسلمين .
ووجود الاستبداد السياسي على فترات من تاريخ المسلمين حقيقة واقعة دون شك .. ويجب أن نكون صرحاء مع أنفسنا ، وتكون لدينا الشجاعة الكافية ، والولاء الكافي للحق الرباني لنقرّ بوجود هذه السلبية في الواقع التاريخي للمسلمين . فهذه أمانة تؤدى لله عز وجل:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ .. ) (1) .
حقيقة إن التاريخ السياسي للمسلمين ليس ظلاماً كله كما يدعي أعداء هذا الدين لينفّروا أهله منه ، وليخذّلوا الصحوة الإسلامية عن محاولة العودة إليه .. وإن في هذا التاريخ - فيما بعد فترة الخلافة الراشدة المجمع على مثاليتها ، وارتفاعها على كل ما عرفته البشرية من النماذج في القديم والحديث - نماذج كثيرة من العدل السياسي ، وأخلاق الحكم الرفيعة ، وشعور المحكومين بالرضى والطمأنينة ، والتمتع بالأمن والاستقرار ..
ولكن وجود الاستبداد السياسي يبقى مع ذلك حقيقة واقعة ، وحقيقة بارزة في التاريخ السياسي للمسلمين .
ولكن الضجة التي يثيرها العلمانيون حول هذه النقطة تحمل عدة مغالطات تحتاج إلى بيان ، لتوضيح الحقيقة فيها ، وإزالة الغبش الكثيف الذي يثار حولها ..
إنها - كما قال عليّ رضي الله عنه - كلمة حق أريد بها باطل !
وأول هذه المغالطات وأبرزها أن الاستبداد السياسي نتيجة حتمية للحكم"الديني"وأن ما حدث في تاريخ المسلمين هو نفسه ما حدث في تاريخ"الحكومة الثيوقراطية"في أوربا ، ولذات السبب الذي أحدثه هناك ، وهو استناد الحكام إلى قداسة الدين وممارسة الاستبداد باسم شيء مقدس له على نفوس الناس سلطان ، واعتبار المعارضين لأولئك الحكام خارجين على الدين ذاته مما يسوغ اضطهادهم وقهرهم والفتك بهم دون أن يحميهم من الطغيان حامٍ !
وهذه المغالطة الكبرى تشتمل هي ذاتها على عدة مغالطات ..
فليس في الإسلام أصلا حكومة"ثيوقراطية"ولا يمكن أن يكون فيه ، لأنه ليس في الإسلام ابتداء هيئة تسمى"رجال الدين"!
وقد مرّ بنا في الفصل الأول أن"الكنيسة"كانت بدعة مبتدعة لم يتنزل بها من عند الله سلطان ، ولا سند لها إلا هذه القولة المنسوبة للمسيح عليه السلام ، والتي لا يمكن أن تصدر عنه في الحقيقة ، وهو رسول مرسل من عند الله ! ومن ثم فدين الله الحق بريء من تلك البدعة التي أفسدت حياة أوربا وأذاقتها الويلات ..
و"الحكومة الثيوقراطية"كما عرفتها أوربا لم تكن حكومة تحكم بما أنزل الله - وليتها كانت ! - إنما كانت - كما يعرف مؤرخو أوربا - حكومة"رجال الدين"، تحكم لا بالدين ، ولكن باسم الدين ! وتفرض سلطانها على الأباطرة والشعب باسم ذلك الدين ! أما الشريعة التي كانت تحكم الناس في ظل الحكومة الثيوقراطية فقد كانت هي القانون الروماني ، ولم يكن لها علاقة البتة بالشريعة المنزلة عليهم من عند الله والتي كان المفروض أن يلتزموا بها ، وهي الواردة في التوراة مع التعديلات الواردة عليها في الإنجيل:
(1) سورة النساء [ 135 ] .