فهرس الكتاب
أفبعد هذه النماذج الصارخة يزعم العلمانيون أن الدين هو سبب الطغيان السياسي ، وأنه لا علاج لذلك الطغيان إلا بفصل الدين عن الدولة ، وإقامة الحكومة العلمانية ؟ !
سيقول العلمانيون: ما لنا ولهذا الجدل كله ؟ لقد وقع الاستبداد السياسي في تاريخ المسلمين ، واستخدم الدين لإعطائه صبغة شرعية ، وتخذيل المعارضين عن مقاومته .. فلا بد لنا من إقصاء الدين عن السياسة ، ليرتاح الناس - أحرار الفكر - من الطغيان باسم الدين !
ونقول: نعم ! وقع الاستبداد السياسي في تاريخ المسلمين .. فكيف وقع ؟ وما دلالة وجوده ؟ وما طريقة علاجه ؟
ونسأل ابتداء: هل وقع الاستبداد بسبب الدين ؟ !
الدين الذي قال منزله سبحانه: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) (1) .
ويأمر بالعدل حتى مع الأعداء الشانئين: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (2) . ويأمر بالعدل حتى مع اختلاف الدين: ( .. وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ .. ) (3) . ويقول سبحانه في الحديث القدسي:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا .." (4) .
أيمكن أن يكون هذا الدين سببا في الظلم ؟ !
كان العلمانيون في مبدأ أمرهم يتهمون التطبيق الواقعي ولا يتهمون الدين ذاته .. ثم تجرءوا بعد ذلك فصار بعضهم يتهم الدين ذاته بإيقاع الظلم على الناس .. وسنناقش في الفصل القادم بعض دعاواهم التي يدّعونها في هذا الشأن . إنما نحن في هذا الفصل في حوار مع"المعتدلين !"من العلمانيين الذي يكتفون بإلقاء اللوم على التطبيق !
ويصر العلمانيون جميعاً - معتدلين ومتطرفين - على إبعاد فترة الخلافة الراشدة من دائرة النقاش ، بدعوى أنها فترة فريدة لم تكرر في التاريخ ، فلا يؤخذ بها ، ولا تتخذ مقياسا للحكم الإسلامي . (5) .
ونحن نقرهم على أنها فترة فريدة لم تتكرر - بصورتها الكاملة - في التاريخ . ولكنا - من جهة أخرى - لن نكف عن الاستشهاد بها من أجل دلالتها ، لا من أجلها في ذاتها ..
إن المزية الكبرى لهذه الفترة أنها شهدت التطبيق الكامل لهذا الدين . ومن ثمّ فهي صورته الحقيقة مطبقة في عالم الواقع .
ولهذا الأمر دلالتان اثنتان على الأقل . الأولى أن هذا الدين ليس مثاليات معلقة في الفضاء غير قابلة للتطبيق في عالم الواقع ، ما دام قد أمكن تطبيقها بالفعل .. والثانية أنه ما دام الذين طبقوها كانوا بشرا - لا ملائكة - ففي طوق البشر إذن أن يطبقوها في أي فترة من فترات التاريخ إذا عزموا على ذلك وأجمعوا أمرهم عليه . وقد وجدت بالفعل نماذج غير قليلة من التطبيق الصحيح لهذا الدين على مدار التاريخ . فلا شيء يمنعنا اليوم من محاولة ذلك . ولن يكون"الدين"هو العائق لنا إذا حاولنا ، بل سيكون الدين - بأصوله المنزلة ، وصوره المشرقة حين طبق تطبيقاً صحيحاً - هو الدافع والحافز والمعين .
لم يكن الدين إذن هو سبب الطغيان ( وسنرجئ النقاش مع متطرفي العلمانيين إلى الفصل القادم ) إنما كان السبب سوء التطبيق .
(1) سورة النساء [ 58 ] .
(2) سورة المائدة [ 8 ] .
(3) سورة الشورى [ 15 ] .
(4) أخرجه مسلم .
(5) يصل التبجح بببعض العلمانيين أن يتهموا عهد الخلافة الراشدة ذاته بالاستبداد السياسي ، مستشهدين بقول عثمان رضي الله عنه للذين طلبوا منه التنحي عن الحكم:"لا أنزع قميصا سربلنيه الله"فيقولون إن عثمان رضي الله عنه كان يحكم بالحق الإلهي المقدس الذي كان سند الطغيان السياسي في أوربا ! وعثمان رضي الله عنه لم يقصد بهذه الكلمة إلا أن الله قد منّ عليه بأن تولى الأمر عن رضا واختيارٍ حرٍّ من الأمة وأن الأمة لم تنزع ثقتها منه حتى يتنحى . وإنما المحتجون عليه ، المطالبون بتنحيته شرذمة قليلة لا يمثلون رأي الأمة ، وهذه كانت الحقيقة ، بدليل حماية الصحابة لداره أثناء الفتنة . ولو كانوا يرون عزله لتركوه للثائرين عليه ، وإنما هم أخذوا عليه أشياء لا تؤدي في نظرهم إلى عزله .