فهرس الكتاب

الصفحة 4788 من 27364

والمغالطة الثانية أن"رجال الدين"الذين أقاموا"الحكومة الثيوقراطية"في ظل النصرانية المحرفة كانوا"طبقة مقدسة"تستمد قداستها الزائفة من ذلك النص الذي نسبوه للمسيح عليه السلام وهو منه براء ، والذي زعموا فيه أن المسيح أعطى حق الحل والربط لحواريّه بطرس ، وهذا أعطاه بدوره لآباء الكنيسة من بعده ، وأن ما ربطه بطرس - وخلفاؤه من بعده - في الأرض لا يحل في السماء ، وما حله في ألأرض لا يربط في السماء . أي إنهم زعموا أن الأرض تحكم السماء ، والبشر يحكمون قدر الله ومشيئته .. وهو كفر بواح . بينما أبو بكر رضي الله عنه ومن خَلَفَهُ من الحكام لم يكونوا طبقة معينة ، ولم يكن لهم حق التشريع من عند أنفسهم ، ولم تكن لهم قداسة ذاتية يتسلطون بها على رقاب الناس مستمدة من"الحكم الديني"تزعم لهم العصمة ، وتجعلهم وسطاء بين العباد وربهم ، رِضَى الله مرتبط برضاهم ، وغضبه مرتبط بغضبهم ، وبيدهم مفاتيح الجنة والنار ! إنما وقع الاستبداد السياسي - حين وقع - على محور آخر سنتحدث عنه بعد هنيهة ، لا علاقة له بحقٍ موروثٍ عن خليفة الرب ( نستغفر الله ) يحل به الحاكم ما يشاء ، ويحرّم ما يشاء ، ويدخل في رحمة الله من يشاء ، ويحرم منها ما يشاء ! وقد كان الذين يقع عليهم الظلم من قِبَل أولئك الحكام المستبدين يقاومونه أحيانا ويُقْهَرون عليه أحيانا ، وفي حسهم أنه ظلم لا يرضى الله عنه ولا يقره ، وأن الله سيحاسب أولئك الحكام الظلمة على ظلمهم يوم القيامة ويستخلص لهم حقهم منهم على رؤوس الأشهاد ، وأنهم مهما ادعوا لظلمهم من مبررات"المصلحة"فلن يحميهم من الله حام . وما أبعد الشقة بين ظلم مغضوب عليه من الله والناس ، وظلم مقدس مبارك يُزْعَم له الرضى من الله ، ويطلب من الناس الرضى به باسم الدين !

والمغالطة الثالثة أن الاستبداد باسم الدين لم يكن هو الاستبداد الوحيد الذي حدث في التاريخ الأوربي وغير الأوربي حتى يكون علاجه إقصاء الدين عن الهيمنة على واقع الحياة !

إن الأباطرة والملوك والأمراء الذين استبدوا بالناس في أوربا حتى جاءت الثورة الفرنسية فأقصتهم عن سلطانهم ، وأقصت رءوسهم عن أجسادهم لم يكونوا يَرْتَدُون زي الدين ! بل كانوا ثائرين على الكنيسة الممثلة للدين ، مناوئين لها ، عاملين على الخروج من سلطانها .. ووصل الأمر بالامبراطور الألماني هنري الرابع الشهير في التاريخ أن خلع البابا"هلد براند"من منصبه ، في حركة تحدٍّ محمومة ، انتهت به إلى التراجع والاعتذار وطلب المغفرة من البابا ، والوقوف ببابه عاري الرأس حافي القدمين في الجليد المتساقط ثلاثة أيام بلياليها ، حتىعفا عنه"قداسة البابا"وأعاده إلى"الحظيرة".. حضيرة الرضى والغفران ! وإن كان قد كتب بعمليته الانتحارية هذه أول سطر في صفحة التمرد على سلطان الكنيسة ، التي انتهت بفصل السلطة الزمنية عن السلطة الروحية وحصر نفوذ البابا في السلطة الروحية وحدها ، وانتزاع السلطة الزمنية للأباطرة والملوك والأمراء ! (1) .

إنما قصة الأباطرة الذين حكموا"بالحق الإلهي المقدس"أنهم قالوا في أنفسهم: إذا كان البابوات قد زعموا لأنفسهم حقا إلهياً مقدساً استبدوا به علينا وأخضعونا له ، فلنزعم لأنفسنا حقا ممائلا ، ولنسنده لذات الجهة التي استندوا إليها ! ! ثم طلعوا على الناس بدعوى مفادها أن الله هو الذي عهد إليهم أن يحكموا الناس ، ومن ثم فإنهم يحكمونهم بذلك الحق الإلهي المقدس ، وعلى الناس أن يخضعوا لهم في شئون دنياهم كما يخضعون للبابوات في شئون آخرتهم سواء بسواء !

أفيعتبر هذا حكما"دينيا"واستبداداً باسم الدين ، وهو حكم يناوئ الدين ويستقل عنه بسلطانه ، ويسعى بكل الوسائل لتقليص نفوذه وحصره في نطاق محدد ؟ ! وهل تعالج هذه الحالة بفصل الدين عن الدولة ؟ أم قصارى ذلك أن يكون استبدال طغيان بطغيان ؟ ! .

( أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (2) .

ولنترك التاريخ الأوربي ووقائعه ، ولننظر في تاريخنا نحن الحديث ..

هل هؤلاء"العسكر"الذين مارسوا أبشع ألوان الطغيان السياسي ، وارتكبوا من الفظائع في السجون والمعتقلات ما لا مثيل له حتى في عالم الوحوش .. هل هؤلاء كانوا يحكمون باسم الدين ؟ ! أم كانوا"علمانيين"يهدفون إلى محو الدين وإبادة أهله ، ويتتلمذون في حركتهم على الحكم الشيوعي الذي قام أساسا لتأسيس الإلحاد ومحو الدين من الأرض ؟ ! (3) .

(1) راجع قصته الطريفة في أي مرجع من مراجع التاريخ الأوربي في العصور الوسطى .

(2) سورة محمد [ 24 ] .

(3) كان معظم هؤلاء العسكر عملاء لأمريكا وإن تظاهروا بأنهم أصدقاء لروسيا وأعداء لأمريكا ! فقد كانت هذه اللعبة ذاتها - لعبة التظاهر بعداء أمريكا - جزءاً من الخطة المتفق عليها للضحك على الجماهير ( انظر كتاب"لعبة الأمم"لمؤلفه"مابلز كويلاند") ثم إنهم كانوا كلهم - سواء تحيزوا لهذا المعسكر أو ذاك -عملاء للصهيونية العالمية التي كانت تحكم المعسكرين في آن واحد ، وتسخرهما لحرب الإسلام !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت