فهرس الكتاب
إنما تعتمد الدولة المسلمة اجتهاداً معيناً من هذه الاجتهادات - يرى فقهاء عصرها أنه الأكثر تحقيقا للمصلحة - فتجعله هو الشرع الملزم في لوائحها وتنظيماتها الإدارية ومحاكمها ، وتترك للقضاة حرية التحرك في حدود ذلك الاجتهاد الملزم ، كما يترك للقاضي في ظل القانون الوضعي أن يحكم بأدنى العقوبة أو أقصى العقوبة أو يسقط الدعوى لعدم كفاية الأدلة ..
أين المشكلة ؟ !
إنما هي الرغبة في وضع العراقيل في طريق تحكيم الشريعة ، وإيهام الناس أن الفوضى ستضرب أطنابها يوم تحكم الشريعة ، ويختلط الحابل بالنابل ، وتضيع الحقوق ، ويختل النظام ! !
ألا يستحي هؤلاء من صور الفوضى الاجتماعية والأخلاقية واضطراب الأمن وشيوع الجريمة وانفلات الناس من آدميتهم في ظل القوانين الوضعية التي يريدون التحاكم إليها بدلا من شرع الله ؟ !
صيحة أخرى يتصايح بها العلمانيون لمحاولة تخذيل المطالبين بتحكيم الشريعة ..
أرونا برامجكم ! نريد برامج عملية قابلة للتنفيذ ، لا مجرد التصايح بتحكيم الشريعة .. أرونا كيف تحل الشريعة التي تريدون تطبيقها مشاكل التخلف الاقتصادي والتضخم السكاني والديون المتراكمة والمعدات الخاوية والأيدي المتعطلة إلخ .. إلخ
وهذه الصيحة التي يرددها العلمانيون كلما علت أصوات المطالبين بتحكيم الشريعة ، يحسب أصحابها أنها القنبلة المدمرة التي ستعصف بكيان الإسلاميين وتكشف عجزهم وضعف موقفهم ، وتصرف الناس عن تأييدهم والالتفاف حولهم .. بينما هي في الحقيقة تكشف عن مدى تدني"الحس الإسلامي"في واقعنا المعاصر ، ومدى تغلغل الغزو الفكري في حياتنا ، وتأثيره في طريقة تناولنا لقضايانا الرئيسية .. حتى قضايا العقيدة !
إن القضية من وجهة النظر الغربية التي صرنا نتناول بها قضايانا أن هناك"جماعة"أو"حزبا"يرفع شعاراً معيناً يريد أن يجعله أساساً للحكم . وإذن فليقدم هذا الحزب برنامجه ، ليحكم الناس له أو عليه ، ويعطوه أصواتهم أو يحجبوها عنه ، بحسب اقتناعهم بالبرنامج أو عدم اقتناعهم به !
أما القضية من وجهة النظر الإسلامية فمختلفة تماماً ..
إن تحكيم الشريعة الإسلامية أمر لا يخص فرداً معيناً أو جماعة معينة حتى تكون هي المختصة بأمره ، المطالَبَةَ بوضع البرنامج لتنفيذه ! .. إنه أمر كل مسلم .. كل مسلم ينطق بفمه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، مطالب أمام ربه بتحكيم الشريعة الربانية . فإن كانت محكّمة بالفعل فبها ونعمت . وإن لم تكن قائمة فهو يخرج من دائرة الإسلام أصلا إن رضي بهذا الأمر وتابع ، كما نص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . فضلا عن أن يتبجح برفض تحكيم الشريعة ، أو يطالب بعدم تحكيمها !
أما البرامج التطبيقية فقد تختلف فيها وجهات النظر ، وقد تتناقش فيها الجماعات المختلفة ، وقد يعرض الأمر على أهل الاختصاص ليروا أي وجهات النظر أصوب .. ولكن هذا كله لا يتعلق بالأصل ، وهو تطبيق الشريعة التي يجب أن تكون هي المظلة التي يقف تحتها كل من ينطق بفمه شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، والتي في ظلها تفكر الأمة المسلمة ، وفي ظلها تستعرض برامجها .
لقد جعل الله التحاكم إلى شريعة الله محكًّا للإيمان ، شأنه شأن الاعتقاد بوحدانية الله ، وتوجيه كل ألوان العبادة له وحده بلا شريك:
( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) (1)
( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ) (2)
( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (3)
وكما أن الإيمان بالله الواحد مسئولية كل مسلم على الإطلاق ، لا مسئولية بعض الناس دون بعض ، وكما أن توجيه العبادة لله وحده بلا شريك مسئولية كل مسلم على الإطلاق ، لا مسئولية بعض الناس دون بعض ، فكذلك التحاكم إلى شريعة الله هو مسئولية كل مسلم على الإطلاق ، وليس مسئولية بعض الناس دون بعض .
والأصل في حياة هذه الأمة أن تكون الشريعة الربانية هي الحاكمة فيها ، دونما حاجة لأن يطالِبَ بذلك فرد منها ولا جماعة ، لأنها إلزام رباني ، لا يتوقف على مطالبة أحد أو عدم مطالبته . إنما يقوم به المؤمنون تعبداً واحتساباً ، ولا يملكون ألا يقوموا به لأنهم إن رفضوه فإنهم يخرجون بذلك من أصل الإسلام ، وكذلك إن رضوا بتحكيم شريعة غير شريعة الله .
(1) سورة محمد [ 19 ] .
(2) سورة النساء [ 36 ] .
(3) سورة النساء [ 65 ] .