فهرس الكتاب
وإذا كان الأمر الواقع اليوم أن هناك دعاة وجماعات تطالب بتحكيم الشريعة فسبب ذلك أن الغزو الصليبي قد قام بتنحية الشريعة عن الحكم في البلاد الإسلامية التي دنستها قدماه ، واستكانت الأمة لما أحدثه الغزو الصليبي فترة من الوقت ، ثم قام دعاة وجماعات من الأمة بالدعوة إلى إعادة الأمور إلى أصلها الذي كانت عليه من قبل ذلك الغزو الغادر ، وتحملوا مسئولية الجهاد في هذا السبيل . ولكن ليس معنى هذا أن يكونوا هم المسئولين وحدهم عن هذا الأمر فيطالَبُوا وحدهم بإنجاز ما يجب على الأمة بأكملها أن تقوم به ، ولا معناه أن يعلق تحكيم الشريعة على تقديم هذه الجماعات برنامجا للتنفيذ ! فضلا عن أن يقوم في هذه الأمة من يعلن جهاراً أنه لا يوافق على تطبيق الشريعة ! وفضلا عن أن يؤخذ المطالبون بتحكيم الشريعة فيقتّلوا ويعذّبوا ، ويتهموا بالخروج على"الشرعية !"كأنما توجد في الإسلام شرعية بغير شريعة ! !
كذلك فإن تحكيم الشريعة أمر لا يخيّر فيه الناس ولا يُسْتَفْتَوْن ، لأن الله يقول: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (1) . والتخيير إنما يكون في أمر يملك الناس فيه الخيار . فإذا قال الله إنه لا خيار في هذا الأمر بل
إلزام ، وإنه متصل بأصل الاعتقاد ، فكيف يكون التخيير ؟ !
أيخيّر المسلم في الدولة الإسلامية فيسأل: هل تريد أن تكون مسلما أم تريد الكفر .. والعياذ بالله ؟ !
ولكن الأمر قد وصل بهذه الأمة أن يكون تطبيق الشريعة الذي هو أصل ثابت من أصول الإيمان موضع استفتاء وتخيير ، ثم إذا اختارت أغلبية ساحقة من الناس تحكيم الشريعة اختياراً حراً لا شبهة فيه ولا مراء - كما حدث في الجزائر - قيل لهم: لا نسمح لكم بتنفيذ ما اختارته الأمة .. لأنكم غير ديمقراطيين ! ! !
وهذا يعيدنا إلى أصل القضية: بأي الأمرين يلتزم المسلم ؟ بالإسلام أم بالديمقراطية ؟ هل يُعْرَض الإسلام على الديمقراطية لتقبل منه ما تقبل وترفض منه ما ترفض ؟ أم تعرض الديمقراطية على الإسلام فيقبل منها ما يقبل ، ويرفض منها ما يرفض ؟ !
وجواب الإسلام معروف !
ونترك الآن قضية البرنامج التي يتصايح بها العلمانيون كلما ارتفعت أصوات الذين يطالبون بتحكيم الشريعة ، والتي ينخدع بها بعض الدعاة أحيانا ، فينصرفون عن مهمة الدعوة الحقيقية ، وهي تربية جيل من الناس على حقيقة الإسلام ، إلى محاولة وضع برنامج عملي ، للرد على العلمانيين وإبطال حجتهم ! بينما العلمانيون - ومَنْ وراءهم - لا يطلبون البرنامج العملي حقيقةً ! ولو قدم لهم البرنامج لازدادوا طغياناً في حرب الإسلام والمسلمين ! إنما يريدون التشويش والتعطيل ، وصرف الجهود عن الهدف المنشود !
نترك قضية البرنامج لمن يشغل نفسه بالوصول إلى الحكم ! إنما نحن لا نطلب الحكم ، لأننا نعلم أن دون ذلك جهداً ضخما يبذل أولا في تربية الأمة على الإسلام .. وإنما نطالب بأمر أقل من ذلك بكثير .. وهو حرية الدعوة .. حرية توصيل"الكلمة"إلى الناس ..
نترك قضية البرنامج لننتقل إلى القضية الثانية في هذا المبحث ، وهي: هل تصلح التجربة الأوربية منهجا لحياتنا ، وحياة البشرية .. وإذا لم تكن تصلح فما البديل ؟
إن العلمانيين يريدون أن يكون محك القبول أو الرفض هو الديمقراطية وليس الإسلام ..
وبصرف النظر عن إخلاص العلمانيين الحقيقي للديمقراطية ، وهم الذين كانوا يؤيدون أبشع ألوان البطش السياسي في تاريخ هذه الأمة - بطش العسكر - لمجرد أنه يضرب المسلمين ، والذين وقفوا ضد الديمقراطية جهاراً حين أوصلت الإسلاميين إلى الحكم في الجزائر .. بصرف النظر عن ذلك فسوف نناقش الأمر مع العلمانيين من الناحية الموضوعية ، كما ناقش يوسف عليه السلام صاحبيه في السجن:
( أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) (2)
إن الديمقراطية - بيقين - ليست فكرا ذاتيا للعلمانيين أتوا به من عند أنفسهم ، إنما هو فكر مجلوب ، أتوا به من الغرب ، وهم لا ينكرون ذلك بل يفاخرون به ..
وأوربا - حسب تجربتها الخاصة - معذورة حين تنادي بالديمقراطية وتصر عليها ، لأنها لم تعرف في حياتها سوى نوعين اثنين من الحكم: الدكتاتورية والديمقراطية ، وقد ذاقت كل أنواع الويل في الدكتاتورية ، ولم تنل حقوقها وضماناتها إلا في الديمقراطية فهي حريصة عليها كل الحرص . وهي تقيس - حسب تجربتها الخاصة - كل أنواع الحكم على ميزانها الخاص ، فكل ما ليس ديمقراطية فهو دكتاتورية ، وهو معيب ومرذول ، والحكم الديني"الثيوقراطي"هو في ميزانها في خانة الدكتاتورية - وقد كان كذلك بالفعل في التجربة الأوربية - فهو معيب ومرذول .
(1) سورة الأحزاب [ 36 ] .
(2) سورة يوسف [ 39 ] .