فهرس الكتاب

الصفحة 4798 من 27364

أما المسلمون فلهم ميزانهم الخاص ، وهو ميزان لا يأتون به من عند أنفسهم ، لأن هذه القضايا ليست مما ترك للبشر ليحكموا فيه ، بل هي داخلة في عموم قوله تعالى: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) (1) وقوله تعالى: ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) (2) أي أنه سبحانه هو صاحب الأمر ، بمقتضى كونه سبحانه هو الخالق . فهو الذي يحل ويحرم ، وهو الذي يضع للناس منهاج حياتهم ، وهو الذي يقول: هذا حسن وهذا قبيح . هذا مباح وهذا غير مباح ، وبمقتضى كونه سبحانه هو اللطيف الخبير ، الحكيم العليم ، الذي يعلم ما يصلح للإنسان وما لا يصلح له .

وفي الميزان الرباني يوجد نوعان اثنان من الحكم: إما حكم الله ، وإما حكم الجاهلية:

( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (3)

ومن ثم فكل حكم غير حكم الله فهو حكم جاهلية . والديمقراطية حيث إنها ليست حكم الله فهي في ميزان الله جاهلية ..

ونعلم أن كثيرا من الناس سيصيحون عجباً واستنكاراً أن توصف الديمقراطية بأنها حكم جاهلي ؛ وليس العلمانيون وحدهم هم الذين سيستنكرون في هذه المرة ، بل كثير من"الإسلاميين"كذلك !

ونسارع فنقول لهؤلاء إننا حين نضع الديمقراطية في ميزان الله الحق ، فنَصِفُها بأنها حكم جاهلي ، فليس البديل الذي ندعو إليه هو الدكتاتورية ، كما يتبادر إلى أذهان الذين تشبعوا بالغزو الفكري ، فلم يعد لهم ميزان يزنون به الأمور ، إنما صار ميزانهم هو ميزان أوربا ، بدعوى أنه ميزان عالمي لا يخص أوربا وحدها ، وإنما يشمل البشر جميعا !

إنما البديل الذي ندعو إليه هو الإسلام .. هو المنهج الرباني الذي أنزله الله ليصلح به الأرض ويصونها من الفساد:

( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (4)

( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ) (5)

وحين نقوّم الديمقراطية في الميزان الرباني فهناك معياران أساسيان . المعيار الأول من المعبود في هذا النظام ( ويدخل في هذه القضية بالضرورة: من المشرع ؟ ) والمعيار الثاني: مدى تحقق إنسانية الإنسان في ذلك النظام .

وللعلمانية دعوى عريضة في أنها لا تعارض الدين . إنما هي تحصره في دائرة الاعتقاد والعبادة ، وتمنعه من الهيمنة على عالم السياسة ، فتجعل"الأمة"هي مصدر السلطات ، وهي التي من حقها التشريع .

وهذا - في الإسلام - ليس له اسم إلا الجاهلية !

فالجذور الثلاثة الرئيسية للجاهلية هي اعتقاد وجود آلهة مع الله ( شرك الاعتقاد ) وتوجيه شيء من العبادة لغير الله ( شرك العبادة ) والتشريع - أي التحليل والتحريم - من دون الله ( شرك الاتباع ) .

وحين تجعل الديمقراطية حق التشريع - أي التحليل والتحريم -"للأمة"من دون الله ، فهي تقع في أحد أنواع الشرك الرئيسية ، ومن ثم فهي جاهلية في ميزان الله

والذين يهولهم أن توصف كل الحقوق والضمانات التي تحملها الديمقراطية للناس بأنها جاهلية نقول لهم: إن الإسلام لا يرفض تلك الحقوق والضمانات في عمومها ، ولا يرفض أن يكون للفرد كرامة تمنع"الدولة"أو"الحاكم"من اعتقاله أو سجنه أو إهانته أو تعذيبه أو التضييق عليه لمجرد أنه يخالف الحاكم أو يعارضه .. فهذه الضمانات والحقوق كلها من صميم الإسلام ، والإسلام هو الذي منحها للبشر قبل أن تمنحهم إياها الديمقراطية بأكثر من ألف عام .. إنما الذي يرفضه الإسلام ويصر على رفضه هو إعطاء البشر - أي بشر - حق التشريع ابتداء ، أي حق التحليل والتحريم من دون الله ، وبما يخالف أوامر الله (6) ، وهذا - بالذات - هو الذي تصر الديمقراطية عليه ، وهو هو الذي يضع الديمقراطية في خانة الجاهلية ، على الرغم من كل ما تحمله للناس من حقوق وضمانات لا يعارضها الإسلام ، بل كان هو أول من منحها للبشرية كما سيجيء بيانه .

وحين يحكم الإسلام فلن يلغي الحقوق والضمانات التي منحها الله للبشر يوم أكمل لهم دينهم وأتم عليهم نعمته ، إنما هو سيلغي فقط ألوان الفساد التي تعج بها الأرض في ظل الجاهلية المعاصرة ، وفي ظل كل جاهلية التاريخ .

المعيار الثاني في هذه القضية هو مدى تحقق إنسانية الإنسان .

والبحث في إنسانية الإنسان يستلزم تحديد غاية وجوده في هذا الكون ، فمن الذي يحدد له غاية وجوده ؟ !

إنها في الحقيقة ذات القضية !

فإذا كان رد حق التشريع لله مبينا على كونه سبحانه هو الخالق ، وهو اللطيف الخبير:

( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) (7)

(1) سورة يوسف [ 40 ] .

(2) سورة الأعراف [ 54 ] .

(3) سورة المائدة [ 50 ] .

(4) سورة الروم [ 30 ] .

(5) سورة المائدة [ 3 ] .

(6) أما الاجتهاد في حدود مقاصد الشريعة فمباح بشروطه المعروفة .

(7) سورة الأعراف [ 54 ] .

( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت