فهرس الكتاب
ونتغاضى الآن عن جملة من الحقائق التي يدركها كل باحث في الديمقراطية الرأسمالية الغربية ، وهي أن هذه الحريات كلها تتلاشى حين تُمسُّ مصالح الرأسمالية أو تصطدم بالنفوذ اليهودي . ويكفي للدلالة على ذلك مقتل كنيدي عام 1963 حين اصطدمت سياسته بالمصالح اليهودية ، كما يكفي للدلالة سحب درجتين جامعيتين واحدة في فرنسا والثانية في أمريكا ، وتنزيل صاحبيهما في استدرار عطف العالم وجره إلى الموافقة بل الترحيب - بسلب حقوق العرب في فلسطين !
نتغاضى الآن عن ذلك ، ونقول للعلمانيين: أنتم تقولون إن الديمقراطية تمنح الناس هذه الحقوق وتربيهم عليها ، فما الذي يمنع إذن من تربية الناس عليها في الإسلام ، وهي نتاج إسلامي أصيل مارسه المسلمون قبل بزوغ الديمقراطية بأكثر من ألف عام ؟ !
هل يمنعنا الواقع الإسلامي التاريخي الذي فرط في الحقوق الربانية ؛ ووقع فيه الاستبداد ؟
ولماذا يمنعنا ؟
ألستم تنادون بدعوة جديدة وحياة جديدة ومثل جديدة في ظل الديمقراطية ؟
ونحن ندعو بدعوة ليست جديدة ! دعوة"رجعية"جدا .. تعود إلى عهد الخلافة الراشدة ! ونقول للناس: ارجعوا إليها !
فإذا أمكن تحقيق دعوتكم في ظل العلمانية ، فلماذا لا يمكن تحقيق دعوتنا في ظل الإسلام ؟ !
يقولون في دعاواهم إن الإسلام بطبيعته"أحادي النظرة"لا يقبل إلا وجهة نظر واحدة ، ولا يحترم وجود"الآخر"ولا"الرأي الآخر"، ويتهم المعارضين بأنهم خارجون على الدين ، فيتعسف في معاملتهم !
وإنه نظام لا يسمح بقيام الأحزاب ولا يسمح بتداول الحكم ..
وإنه نظام"شمولي"يمهد بطبيعته للاستبداد السياسي !
أما الدعوى الأولى فليس أكذب منها على التاريخ !
إن علماء المسلمين هم الذين علموا العالم كيف يختلف الناس دون أن يقوم بينهم شجار ، ولا عداوة ، ولا بغضاء !
كان العالم منهم يقول: قولنا صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب ! أي روح علمية ، وأية رحابة صدر أعظم من ذلك ؟ !
إن العالم منهم لا يلقي كلامه على عواهنه ، وإنما يستدل بالدليل ، ويكد ذهنه لينضبط كلامه بالضوابط الشرعية ، ومع ذلك يحتاط - لله - فيقول إنه يعتقد أنه على صواب ولكنه لا يقطع بذلك خشية أن يكون الحق مخالفاً لقوله فلا يكون قد أدى الأمانة لله:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ .. ) (1) .
وذلك تجرد للحقيقة وللبحث العلمي لا يتصور أروع منه .. فمن قال إن الإسلام لا يقبل إلا وجهة نظر واحدة ، ولا يحترم"الآخر"ولا الرأي"الرأي"؟ !
وكيف نشأت المذاهب إذن ؟ وكيف اختلفت الاجتهادات ؟ وكيف نشأ في الفقه علم يسمى"علم الخلاف"؟ !
ولكن العلمانيين يقصدون شيئا آخر ، سواء جهروا به أم لم يجهروا .. وبعضهم يجهر بالفعل!
إنهم يريدون أن يكون"الدين"وجهة نظر ! إحدى وجهات النظر المعروضة في الساحة ! وهناك - معه - وجهة نظر أخرى ، ورأي آخر .. والإنسان حر .. يأخذ"بوجهة نظر الدين"أو بوجهة النظر الأخرى .. وحبذا - لكي يكون حرّ الفكر - أن يأخذ بوجهة النظر الأخرى وينبذ وجهة نظر الدين .. بغير تحريج على عمله هذا ولا تأثيم !
هذه هي القضية في حقيقتها .. يجهر بها بعضهم أحيانا ، ويغلفها الآخرون بغلاف لا يخفى حقيقتها !
يا للغزو الفكري .. كم تمكن من تلك القلوب !
إن تجربة أوربا مع دينها هي التي أدت بها إلى هذا الوضع المقلوب .
فقد وثقت أوربا في دينها المزيف ثقة عمياء ، على أساس أنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. وكانت لذلك الدين قداسة في نفوسهم ، ولرجاله احترام وتوقير يصلان إلى حد التقديس بالنسبة"لقداسة البابا"وينزل سفلا حتى يصل جزء منه إلى"راعي الأبرشية" (2) وهو أصغر رجالهم قدراً وأصغرهم سناً !
ثم رويداً رويداً اكتشفت أوربا أنها كانت مخدوعة خديعة كبرى برجال الدين أولا ثم بالدين ذاته أخيرا !
وزاد الأمر سوءاً حين قامت الكنيسة تحرّق العلماء وتعذبهم لأنهم نادوا بأراء ونظريات علمية ثبتت صحتها بعد ذلك ، وثبت أن ما كانت تقوله الكنيسة في حقها غير صحيح ..
عندئذ بدأ الناس - الأحرار الفكر - يشكّون في كل ما تقوله الكنيسة ، وكل ما يأتي من قِبَل الدين ..
(1) سورة النساء [ 135 ] .
(2) هو كاهن القرية الصغيرة ، وهو في أول السلم الكهنوتي ، وقد يبقى هناك حياته كلها ، أو يسعفه الحظ فيرقّى .
لم يعد الدين حقائق نهائية كما كان في حس الناس من قبل ، إنما أصبح وجهة نظر وأصبح معها وجهات نظر أخرى يؤكد العلم ، وتؤكد التجربة ، وتشير دلائل كثيرة أنها أولى بالاعتبار من وجهة النظر التي يدلي بها رجال الدين .. فعندئذ لم يقف الأمر عند أن يكون الدين وجهة نظر .. مجرد وجهة نظر .. إنما أصبح هو وجهة النظر الأخف وزنا والأضعف أدلة .. وانتهى به الأمر أن يكون هو وجهة النظر المنبوذة ، التي تذكر للتنديد بها ، والسخرية بقائليها ، وبيان ضعفها وفجاجتها ، ثم العدول عنها إلى"وجهة النظر الأخرى"!