فهرس الكتاب

الصفحة 4801 من 27364

هذه الصورة التي لها ما يفسرها في التجربة الأوربية ، والتي سببها تزييف الدين الذي عرفته أوربا وتحريفه .. يحب العلمانيون ألا يفوتهم"شرفها"و"وجاهتها"! فيطبقونها - ويدعون إلى تطبيقها - على الدين الحق الذي شهدت له السموات والأرض ومن فيهن !

يريدون - بحجة الديمقراطية ، أو بأي حجة أخرى - أن يحولوا كلام الله الحق إلى وجهة نظر ! ثم يحولوه - بالمواظبة - إلى وجهة نظر منبوذة لا يؤخذ بها ، بل يعدل عنها إلى"وجهة النظر الاخرى"!

وعندئذ يكونون قد بلغوا مرامهم من هدم هذا الدين ..

( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (1)

مرحبا بالرأي والرأي الآخر حين يكون بين بشر وبشر .. فليس من حق بشر أن يدعي العصمة لنفسه ولكلامه ، ويهمل كلام الآخرين لمجرد أنهم يخالفونه في الرأي .. إنما الدليل هو الذي يقرر أي الرأيين أقرب إلى الصواب .

أما حين يكون الأمر بين كلام الله وكلام البشر ، فمن ذا الذي يبلغ به التبجح أن يقول إنه أعلم من الله ، وإن كلام الله لا يلزمه لأنه مجرد وجهة نظر ؟ !

( مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (2)

وويح للذين يخنسون ويبتلعون آراءهم في جوفهم إذا تكلم رئيس دولة من طغاة الأرض ، فإذا ذكر كلام الله لَوَّوْا رءوسهم وقالوا: هذه وجهة نظر الدين .. أما نحن فلنا وجهة نظر مختلفة !

وهل فعل الشيطان غير ذلك حين استحق اللعنة الأبدية من الله ؟ !

( قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ) (3)

( إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (4)

أما قضية قيام الأحزاب وتداول الحكم فهي صورة أخرى من صور تدني"الحس الإسلامي"في واقعنا المعاصر ، وتغلغل الغزو الفكري في حياتنا .. إن الحس الإسلامي يمنع"احتراف"التأييد واحتراف المعارضة ، اللذين تمارسهما الديمقراطية الحزبية في واقعها التطبيقي ، أياًّ كان الغطاء النظري أو"الأيديولوجي"الذي تتم هذه الممارسة تحته !

تتم الانتخابات ، فيتسلم الحكم الحزب الفائز ، فيجلس أعضاؤه في مقاعد التأييد ، وتجلس الأحزاب الأخرى في مقاعد المعارضة ! ويحترف الأولون التأييد للحكومة في قراراتها ولو كانوا غير مقتنعين بها ، ويحترف الآخرون المعارضة ولو كانوا مقتنعين بوجاهتها . ويحدث كثيرا أن يعارض قوم قرارا معينا وهم في مقاعد المعارضة ، فإذا جاءوا إلى الحكم أيدوا القرار ذاته إذا صدر عن حكومتهم ! أو العكس ! وأبرز الأمثلة على ذلك أن حزب العمال البريطاني يطالب - طالما كان في المعارضة - برفع أجور العمال وتخفيض ساعات العمل ، مما لا يوافق عليه حزب المحافظين الممثل لمصالح الرأسمالية .. فإذا جاء حزب العمال إلى الحكم رفض رفع الأجور وتخفيض ساعات العمل - أو عجز عن التنفيذ ! سيان ! - لأن ذلك يؤدي إلى التضخم من ناحية ، ويؤذي مصالح الرأسمالية من جهة أخرى ، وهي الحاكم الحقيقي من وراء لعبة تداول الحكم وتعدد الأحزاب ! !

أفيراد تمثيل هذه اللعبة في الإسلام لنكون حضاريين ، ونكون تقدميين ، ونكون عصريين ؟ !

(1) سورة الصف [ 8 - 9 ] .

(2) سورة الأحزاب [ 36 ] .

(3) سورة ص [ 76 - 78 ] .

(4) سورة غافر [ 56 ] .

إن المسلم لا يحترف التأييد ولا يحترف المعارضة ، إنما يدور مع الحق حيث دار .. وقد يخطئ اجتهاده ، ويغيب عنه وجه المصلحة فيحسبه هنا وهو هناك .. ولا حرج في ذلك ، وله أن ينادي بما يعتقد أنه حق ، لا تعصباً لرأيه ، وله أن يغيّر رأيه - بلا حرج - إذا تبين له أن اجتهاد غيره أصوب ، كالخلاف الذي وقع بين عمر وبلال رضي الله عنهما في مسألة الفيء ، فرأى عمر رضي الله عنه رأيا فعارضه بلال رضي الله عنه ، وأصر زمناً على معارضته ، حتى صار عمر رضي الله عنه يدعو فيقول: اللهم اكفني بلالا وأصحابه ! وفي الأخير فاء بلال رضي الله عنه إلى رأي عمر ، فغيّر موقفه من المسألة بغير حرج حين اقتنع بأن اجتهاد عمر أصوب من اجتهاده ..

هكذا تجري الأمور في الشورى الأسلامية .. فهل يستلزم هذا قيام أحزاب ثابتة متعددة تحترف التأييد تارة والمعارضة تارة حسب موقعها من كراسي الحكم ؟ !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت