فهرس الكتاب
إنني لا"أفتي"في هذه القضية ، وأترك أمر الفتوى للفقهاء .. وإن كنت أرى أنه من العبث مجادلة العلمانيين في هذا الأمر في الوقت الحاضر ، ولكني أبين فقط كم اجْتَرَفَنَا الغزو الفكري ، فأصبحنا لا نرى الأمور إلا بمنظار الغرب ، الذي تشكل في ظروف تاريخية معينة ، ليرى الأمور على صورة معينة ، قد لاتكون بالضرورة لازمة في ظروف أخرى وأوضاع مغايرة ..
أما تداول الحكم فما المقصود به ؟ !
إن من حق المسلمين أن يناقشوا حاكمهم ، ويردوه إلى الصواب إذا أخطأ ، ويغيروه إذا أصر على الخطأ ، بالطريقة التي اتفق عليها فقهاء السياسة الشرعية ..
أما أن يكون تداول الحكم أصلا من الأصول يطلب لذاته ، ويمارس فقط بغية"الوجاهة"و"العصرانية"فأمر لا تفسير له إلا الغزو الفكري الذي يلعب بالعقول !
والقضية على أي حال لها خبئ عند العلمانيين غير الظاهر الذي تناقش المسألة في إطاره ..
إن العلمانيين يريدون أن يقولوا للإسلاميين - وقد قالوا بالفعل - تعهدوا لنا أيها الإسلاميون أنكم إذا وصلتم إلى الحكم - رغم كل تضييقاتنا عليكم ، ومحاولتنا منعكم من الوصول إليه - تعهدوا لنا أن"تَسْقُطُوا"بعد فترة محددة ، وتسلمونا الحكم بعدكم ! وإلا فلن نوصلكم أبدا مهما حاولتم ، ولو استعملنا ضدكم الحديد والنار .. ولتذهب الديمقراطية يومئذ إلى الجحيم ! فإنما نحن لجأنا إلى الديمقراطية أملا في أنكم لن تصلوا عن طريقها أبداً إلى أغلبية شعبية توصلكم للحكم ، أما وقد ازداد خطركم بحيث يمكن أن تصلوا عن طريق صناديق الانتخاب كما حدث في الجزائر .. فلتحترق الديمقراطية ولتذهب إلى أبد الآبدين !
نقول للعلمانيين إنه - من الوجهة النظرية البحتة - ليس هناك مانع أن يتغير عهد ويأتي عهد آخر .. ولكن العهد الأول والعهد الآخر لا بد أن يحكما كلاهما بشريعة الله ! لأنه لا يتأتى لمسلم أن يحكم الناس بشريعة غير شريعة الله ، فيقع في الشرك المخرج من الملة ، ويقعون هم - إذا رضوا بذلك وتابعوه - في الشرك المخرج من الملة .
وقد لجأ العلمانيون في حواراتهم مع الإسلاميين إلى محاولة إحراجهم ، فقالوا لهم أتقبلون الديمقراطية أساسا للحكم ؟ قالوا: نعم ! والإسلام أبو الديمقراطية ! فقالوا لهم: أتقبلون التعددية ؟ قالوا: نعم ! ولها أصل في الإسلام ! فقالوا ، وتقبلون تداوال الحكم ؟ !
نقول للعلمانيين: إنه لا يوجد مسلم يملك أن يوافق على حكم يحكم بغير ما أنزل الله ، ولا أن يتعهد بالموافقة على ذلك ، لأنه يخرج بذلك من الإسلام .
إنما يخضع المسلمون اليوم لحكومات تحكمهم قهراً بغير ما أنزل الله لأنهم مستضعفون في الأرض ، في ظل السيطرة الصليبية الصهيونية على الأرض اليوم ..
أما أن يوافقوا .. أما أن يرضوا .. فدون ذلك نار جهنم والعياذ بالله ..
بقيت دعوى الشمولية ، والخوف من الاستبداد إذا وصلت إحدى الجماعات الإسلامية اليوم إلى الحكم .
وأنا شخصياً لا أحبذ أن تسعى أي جماعة من الجماعات الإسلامية القائمة اليوم إلى الحكم قبل أن تستكمل تربية ذاتها على الشورى الإسلامية الحقيقية ، التي ضرب لنا الخلفاء الراشدون نماذج منها .. حتى إذا وصلوا إلى الحكم ذات يوم كانوا صورة صادقة للحكومة الإسلامية الراشدة ، لا تكرارا لصور الاستبداد التي وقعت من قبل في حياة المسلمين .
ولكن ما قول العلمانيين في أن يتولوا هم الحكم - وقد تشبعوا بالروح الديمقراطية وتربوا على احترام الآخر ، وإفساح الصدر للرأي الآخر - بشريطة أن يحكموا بما أنزل الله .. وسنكون نحن يومئذ أول المؤيدين ، وأول المناصرين ؟ !
أم إن هذا - بالذات - هو المحظور ؟ ! !
من الوقائع المضحكة التي وقعت في السجن الحربي - وشر البلية ما يضحك كما يقو صلى الله عليه وسلم - أن التحقيق كان يجري مع أحد الإخوان ، وهو معلق من يديه ورجليه ، والسياط تهوي عليه من كل جانب ، فقال له المحقق الذي يتولى تعذيبه:"... وعلى ذلك فقد رحت تقرأ كتب سيد قطب ، وتقول منها للناس ؟ !"فظن المسكين في حرارة الضرب أن التهمة الموجهة إليه هي ترديد كلام سيد قطب ! فراح ينفي التهمة بشدة ! قال:"أنا لا أقول من كلام سيد قطب !"فتوقف الرجل عن التعذيب لحظة وسأله:"من أين تقول إذن ؟ !"قال:"أنا أقول من القرآن !"عندئذ عاد الرجل يهوي بالسياط على بدنه أشد من الأول ، وقال له حانقا:"يا ابن ال .. ! ومن أين يقول سيد قطب ؟ أليس يقول من القرآن"؟ ! !
وعلم المسكين أن التهمة الحقيقية لم تكن ترديد كلام سيد قطب .. إنما كانت ترديد كلام الله !
لحساب من يُحارَب الإسلام ؟ !
الحرب المحمومة التي تشن على الإسلام اليوم أوضح من أن يجادل فيها مجادل
حرب عالمية في كل مكان في الأرض .. في البوسنة والهرسك .. في طاجستان .. في الهند .. في كشمير .. في الفلبين .. في بورما .. في تركستان .. في فلسطين .. فضلا عما يجري في داخل العالم الإسلامي ذاته من ملاحقة للحركات الإسلامية وتشريد لأصحابها وسجن واعتقال وتعذيب ..