فهرس الكتاب
ولن نتعرض هنا إلا لعنصر واحد من هذه الحرب الشاملة التي تستخدم فيها كل الوسائل ، ذلك هو الهجوم العلماني العنيف المتلاحق في وسائل الإعلام المختلفة من صحافة وإذاعة وتلفاز وندوات ومحاضرات وتصريحات ولقاءات ..
ونستثني من هذه الحملة الإعلامية ما كان موجها ضد"الإرهاب"فلا نتكلم عنه في هذا المجال ، فقد يجد القائمون بالحملة ستاراً لحملتهم ، فيقولون إنهم يحاربون الإرهاب ولا يحاربون الإسلام ..
إنما نتحدث فقط عن الحملات الموجهة ضد الإسلام ذاته ، وبالذات ضد تحكيم الشريعة .. ونتساءل: لحساب مَنْ تشن تلك الحملات ؟ !
حين جاء الغزو الصليبي للعالم الإسلامي كان أول همٍّ له بعد استيلائه على أي بلد من بلاد المسلمين هو تنحية الشريعة .
ولا عجب في ذلك إذا أدركنا أنه غزو صليبي ..
ويجب أن نفرق ابتداء بين ما سمي"استعماراً" (1) - أي الاحتلال العسكري لبلد من البلاد وإخضاعها للدولة الغازية - وبين ما جرى في البلاد الإسلامية خاصة ، وهو شيء مختلف تماما ، وإن أريدَ إيهامنا أنه كله من نوع واحد ، وأنه كله داخل تحت عنوان"الاستعمار"وأن الهدف منه جميعا كان الاستغلال الاقتصادي للبلاد المغلوبة على أمرها ، وليس وراء ذلك هدف آخر !
كلا .. ليسا نوعاً واحداً ، وإن كان الاستغلال الاقتصادي من الأهداف الرئيسية في كلا النوعين ..
ففي البلاد غير الإسلامية التي أغار عليها"الاستعمار"لم يتعرض الاستعمار لعقائد أهلها ولا عاداتهم . لم يتعرض للهندوكية في الهند ، ولا البوذية في جنوب شرق آسيا ، ولا للوثنية في أفريقيا ..
أما في البلاد الإسلامية فكان الأمر على خلاف ذلك .. كانت هناك حرب شرسة ضد الإسلام ، توجهت أول ما توجهت إلى تنحية الشريعة الإسلامية ، وفرض القانون الوضعي بالحديد والنار ، ثم توجهت إلى معاهد التعليم الإسلامي لإغلاقها او قهرها على تغيير برامجها الدينية ، ثم توجهت إلى محاولة تغيير عادات الناس وتقاليدهم بشتى الوسائل التي استخدمها"الغزو الفكري"في مناهج التعليم ووسائل الإعلام .. وقامت مدارس التنصير بدورها في تلك الحرب الشرسة على مبدئهم الشهير:"بطيء ولكنه أكيد المفعول" (2)
لماذا كان ذلك الفارق بين"الاستعمار"في البلاد غير الإسلامية ، وبين"الغزو الصليبي"في بلاد الإسلام ؟
الفارق أنه لا عداء بينهم وبين الوثنية بأشكالها المختلفة ، هندوكية أو بوذية أو إفريقية ، بينما العداء قائم بينهم وبين الإسلام:"وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ" (3)
والفارق أن العقائد الوثنية لا خوف منها على وجود المستعمر ، ولكن خطر الإسلام كامن في عقيدته التي تحث المسلمين على الجهاد ، وتمنعهم من الاستكانة إلى أعداء دينهم . وأن الإسلام ليس ديناً منفصلاً عن واقع الحياة يُمَارَسُ ساعة من النهار ثم تجري الحياة بعيدة عنه بقية اليوم .. إنما هو ضارب بجذوره في كل تفصيلات الحياة ودقائقها ، فهو ما يفتأ يذكّر المسلمين في كل لحظة ، وكل عمل ، وكل شعور ، وكل فكر ، أن هؤلاء الغزاة ليسوا منهم ، ولا يمكن أن يكونوا منهم في يوم من الأيام ، إنما هم غزاة كفار يجب أن يُجْلَوْا من أرض الإسلام ..
(1) لا أدري من الذي بدأ استخدام كلمة"الاستعمار"ترجمة لكلمة Colonisation التي تعني الاحتلال ولكني أرجح أنهم ذات المترجمين الأرمن واللبنانيين الذين كان الغزو الصليبي يستخدمهم في البلاد الإسلامية ، والذين ترجموا لفظة Secula r ism بالعلمانية للإيهام بأن لها صلة بالعلم !
(2) سنتكلم بشيء من التفصيل عن هذه الوسائل فيما يلي من الفصل .
(3) سورة البقرة [ 120 ] .
والفارق أخيراً أن الوثنيين قد يتقبلون النصرانية لأنهم لا يملكون عقيدة حقيقية يمكن أن تقف في وجهها . أما المسلمون الذين يشعرون أن عقيدتهم أسمى وأشمل وأصح فإنهم لن يقبلوا النصرانية ، وسيقفون وقفة صلدة أمام محاولات التنصير ..
هل نعجب إذن من بدئهم حملتهم ضد الإسلام بتنحية الشريعة الإسلامية ؟
إن كانوا يريدون تنصير المسلمين - وقد حاولوا ذلك في مبدإ الأمر حتى يئسوا (1) - فهل يمكن ذلك في وجود الشريعة التي تطبق حد الردة على المرتد الذي يبدل دينه (2) ؟
وإن كانوا يريدون نشر الفاحشة - وقد أرادوا ذلك وفعلوه (3) - فهل يمكن ذلك في وجود الشريعة التي تطبق حد الزنا ؟
وإن كانوا يريدون نشر الخمر والتعالن بها - وقد أرادوا ذلك وفعلوه (4) - فهل يمكن ذلك في وجود الشريعة التي تطبق حد الخمر ؟
وإن كانوا يريدون إغراء المرأة بخلع حجابها ، وخروجها بعد ذلك سافرة ، كاسية عارية ، فضلا عن تجريدها من حيائها الفطري على الشواطئ التي تختلط فيها كتل اللحم العريان - وقد أرادوا ذلك وفعلوه - فهل يمكن أن يحدث ذلك في وجود الشريعة التي تعاقب على هذه الأمور كلها عقوبات رادعة ؟