فهرس الكتاب
وإن كانوا يريدون إزالة الحاجز النفسي الذي يجعل المسلم يحس دائما بالاختلاف والتميز بينه وبين الغازي الصليبي ، بحيث لا ينسجمان ولا يندمجان ولا تزول العداوة بينهما - وقد أرادوا ذلك وفعلوه - فهل يمكن ذلك إذا بقي للمسلم نظامه الخاص في التحاكم وفي التعامل ، يفيء إليه مستعليا بإيمانه على من لا يدين بالدين الصحيح ؟
من كل الجوانب إذن كان لا بد للغازي الصليبي أن يبدأ عمله - بعد استتباب أوضاعه العسكرية - بتنحية الشريعة الإسلامية عن الحكم ..
ولكن هذه الخطوة وحدها لم تكن لتكفي ..
فما الذي يمنع المسلمين من محاولة العودة إلى الشريعة ، بعد أن تزول عنهم وهلة الهزيمة العسكرية ، فيبدءوا الجهاد من جديد لإخراج الغازي الصليبي ، وإعادة الشريعة إلى مكانها من الحكم ، ومكانتها من القلوب ؟ !
لا بد من صرفهم - من داخل أنفسهم - عن تلك المحاولة الخطيرة .. التي يمكن أن تفسد كل مخطط الأعداء .
بل لا يكفي صرفهم فحسب .. فلربما يعودون !
لا بد من تنفيرهم من الشريعة بحيث لا يفكرون في العودة أبدا ، ويحمدون ربهم - أو يحمدون شيطانهم - أنهم تخلصوا من تلك الشريعة إلى غير عودة ..
وذلك الذي خطط له الغزو الصليبي عن طريق"الغزو الفكري"بدءاً بمناهج التعليم ، ومروراً بوسائل الإعلام .
وضعت مناهج تعليمية"علمانية"بدلا من المناهج الدينية التي كانت تعلم الناس أن الإسلام هو الأصل في حياة المسلمين ، وأنه من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ..
وحقيقة أن"التعليم الديني"الذي كان قائما يومئذ لم يكن هو الصورة الصحيحة للتعليم الديني كما ينبغي أن يكون ، ولم يكن يخرّج المسلم الحق الذي يعرف حقيقة دينه ويمارسه على وعي وبصيرة ، كما أنه كان خلوا من العلوم الكونية التي كانت تشكل جزءا أساسيا منه يوم كان المسلمون في الأندلس وغيرها من بلاد الإسلام هم المتعلمين حقاً في الأرض ، وهم سادة الأرض ..
صحيح ذلك .. ولكن الغزو الصليبي الذي أغلق المعاهد الدينية أو جفف منابعها أو تركها قائمة ولكن شبه مهجورة ، وحوّل مجرى التعليم بعيدا عنها كما فعل الاحتلال البريطاني في مصر تجاه الأزهر (5) ، لم يفعل ذلك من أجل تصحيح مسار التعليم وجعله أداة مفيدة للأمة تخرجها من تخلفها وضعفها إلى القوة والتقدم .. بل فعل ذلك بدافع من الحقد الصليبي ، للقضاء على الصبغة الدينية التي تميز المسلمين ، ودفع المسلمين دفعا في تيار التغريب الذي تَنْبَهِمُ فيه شخصيتهم ويؤدي بهم إلى الضياع وإن تعلموا من العلم بعض القشور ..
(1) سيأتي كلام الأب زويمر في هذا الشأن .
(2) قال صلى الله عليه وسلم:"لايحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة"أخرجه الشيخان .
(3) وصل الأمر إلى فتح بيوت للدعارة الرسمية ، وتنصيب الدولة"المسلمة !"راعياً لها ، وحارساً عليها !
(4) أعطيت التصاريح الرسمية لفتح حانات الخمر ، وكتب عليها"مشروبات روحية !"ترجمةً لكلمة Spi r itual بمعنى كحولية ! على نفس الطريقة التي أصبح الاحتلال بها"استعمارا"واللادينية"علمانية"! ! .
(5) اقرأ إن شئت فصل الغزو الفكري من كتاب"واقعنا المعاصر".
وفي تلك المناهج العلمانية لم يكن هناك مجال لللعلوم الشرعية ، ولكن هناك حصة دين بائسة توضع في آخر الجدول المدرسي ، والتلاميذ يتثاءبون من رغبة النعاس وإجهاد الدراسة اليوم بطوله ، وينتظرون دق الجرس لينفلتوا من القيد ، ويخرجوا إلى الطريق . ويندب لها من المدرسين أكبرهم سنا وأعجزهم عن النشاط والحركة وأدناهم إلى الفناء . والدرس ذاته عبارة عن نصوص تستظهر دون اهتمام بشرح معانيها وإحيائها في القلوب لتحريك الوجدان الديني في نفوس التلاميذ وربط قلوبهم بالله سبحانه وتعالى برباط متين .. ولن تكون نتيجة ذلك الدرس تعلق الضغار بدينهم ، بل الأحرى تنفيرهم منه وإبعادهم عنه ..