فهرس الكتاب

الصفحة 4807 من 27364

ودرس لطلاب الاجتماع نظريات دوركايم التي تقرر أن الدين والزواج والأسرة ليست من الفطرة ، إنما هي من نتاج"العقل الجمعي"الذي يتقلب بلا ضابط ، ويحرم اليوم ما أحله بالأمس ، ويحرم غدا ما يحله اليوم .. وأصبح هذا أمراً واقعاً ..

ودرس لطلاب العلوم نظريات دارون ، والخلق الذاتي ، والتطور الخلاق ، والطبيعة الخالقة .. لا على أنها فروض علمية ولا حتى على أنها نظريات ، بل على أنها حقائق نهائية لا ينكرها إلا جاهل .. وأصبح هذا أمراً واقعاً ..

وقام في الجامعة"أساتذة"يقولون إن القرآن من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم وإن ورود القصة فيه ليس على سبيل الحقيقة إنما على سبيل"الفن !".. وإنه لا يجوز أن يعتبر القرآن مرجعاً تاريخياً ، وإن ورود الأسماء والوقائع فيه لا يعطيها وجوداً تاريخياً ، إنما هي أقاصيص وأساطير على عادة الأقدميين .. وأصبح هذا أمراً واقعاً ..

وعشرات من تلك الأحداث ومئات .. غيرت كلها صورة"المجتمع الإسلامي"وحولته مجتمعا مختلفا تماما .. كأنه صار - كما قال الخديو إسماعيل - قطعة من أوربا .. الإسلام فيه غريب .. والمسلمون فيه غرباء ..

كان ذلك هو"الواقع"الذي أحدثه الغزو الصليبي ليبعد المسلمين عن الإسلام بالدرجة التي يستحيل عليهم - في تصوره - أن يعودوا إليه ..

ولكنهم عادوا ! عادوا على الرغم من هذا الكيد كله ، عادوا بقدر من الله . والله غالب على أمره . وهو الذي يدبر الأمر وليس البشر ، وهو الذي ينشئ الأحداث وليس العبيد ..

عادوا .. أو بدءوا طريق العودة على أقل تقدير ..

وفوجئ العلمانيون .. وذعروا كذلك مع المفاجأة ! وكان موقفهم"الطبيعي !"ضد الصحوة الإسلامية ، وضد المطالبة بتحكيم شريعة الله ..

إن العلمانيين هم نتاج الكيد الصهيوني الذي وجه ضد الإسلام منذ أكثر من قرن من الزمان (1) ..

وقد لا يدركون هم ذلك ! قد لا يكونون على وعي بمقدار ما أُحْدِثَ في نفوسهم من مسخ وتشويه .. فقد ركّبوا في مصانع الغزو الصليبي بحيث يرون الإسلام عدواً لهم لا بد من محاربته .. لذلك فقد يعتقدون أنهم في مواقفهم ضد الإسلام ، وضد تحكيم الشريعة ، منطلقون من ذوات أنفسهم ، وبدوافعهم الخاصة ..

ولكن .. ألا يستوقفهم ذلك التوافق العجيب بين مواقفهم ومواقف الغرب تجاه الإسلام ؟ !

الغرب هو الذي نحَّى الشريعة الإسلامية من البلاد التي وطئتها أقدامه في أثناء الغزو الصليبي ، والغرب هو الذي جند طاقته كلها لمنع العودة إلى تطبيقها مرة أخرى في بلاد الإسلام ..

والعلمانيون ؟ ما موقفهم .. ؟

أليسوا يعارضون تحكيم الشريعة في بلاد الإسلام ؟ ! ويقيمون الندوات والمؤتمرات ليؤكدوا معارضتهم لذلك الأمر ؟ !

والغرب يقولون إن"الإسلام السياسي"هوالخطر الجديد الذي يهدد العالم .. والذي يجب أن تجند له قوات الغرب ، بل قوات العالم كله !

والعلمانيون ؟ ما موقفهم .. ؟

أليسوا يقولون إن الإسلام يجب أن يبعد عن السياسة ، وإن مزجه بالسياسة ، أو انطلاق السياسة من منطلقه خطر يهدد العالم ؟ !

والغرب وقف بشدة ضد وصول الإسلاميين إلى الحكم في الجزائر ، ونسي"ديمقراطيته"التي تقضي بأن ما تجمع عليه أغلبية الأمة يجب أن يكون هو دستورها النافذ وقانونها المطبق ، وقال: إن ذلك يصح مع أهل الأرض جميعا إلا المسلمين !

والعلمانيون .. ما موقفهم .. ؟

أليسوا قد وقفوا ضد الإسلاميين في الجزائر ، وقالوا إن"العالم الحر"يجب أن يتدخل ليحول دون هذا الخطر المخيف ؟ !

(1) الأولى أن نقول"الكيد الصليبي الصهيوني"فقد كان اليهود شركاء في التخطيط والتنفيذ ، وكانوا يعملون طيلة الوقت لحسابهم الخاص ، فقد كانوا يخططون لإنشاء إسرائيل ، وكانوا يعلمون أن العقبة أمامهم هي الإسلام ، فكل جهد لإبعاد المسلمين عن الإسلام هو في صالحهم ، ومن أجل ذلك يشاركون فيه .

والغرب أطلق على الحركات الإسلامية لفظ"الأصولية"Fundamentalism وهي عندهم كلمة ذم لا يوجد لديهم أكثر منها ذما لصاحب فكر أو عقيدة . فهي عندهم علم على فئة من النصارى حرفية في تفكيرها ، ضيقة الأفق ، متعصبة ، لامرونة عندها ولا قدرة على التكيف بما يجدّ في الحياة من أمور .. وقد أطلقوا هذه الصفات كلها على الحركات الإسلامية يوم أطلقوا عليها هذا الوصف Fundamentalists ، ودلالتها عند الرجل الأوربي واضحة غاية الوضوح ..

والعلمانيون .. ما موقفهم .. ؟

ألم يتلقفوا تلك الصفة في الحال ويصفوا بها الحركات الإسلامية ، حتى لم يعد يجري على لسانهم عندما يتكلمون عن الحركات الإسلامية أو الاتجاه الإسلامي إلا لفظ"الأصولية"؟ !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت