فهرس الكتاب

الصفحة 4808 من 27364

والغرب يتحدث ليل نهار عن"الإرهاب الإسلامي"ويصوره على أنه الخطر الكاسح الذي سيقوض أمن العالم كله ، والذي يجب أن يكافح ، وأن يجتث من جذوره ، بينما لا يتحدث أبداً عن"الإرهاب النصراني"- وقد تمثل في أبشع صوره في البوسنة والهرسك - ولا"الإرهاب اليهودي"وهو يتمثل يوميا في قتل أصحاب البلاد الأصليين وتشريدهم وتعذيبهم في السجون ومنعهم من حقوقهم الطبيعية والاستيلاء على أرضهم وديارهم وطردهم منها ، ولا"الإرهاب الهندي"الذي يمارسه عبّاد البقر على المسلمين في الهند ، ويتمثل في حرق المسلمين أحياء في قراهم ، وتهديم مساجدهم وتعقيمهم إجباريا لكي لا يتكاثر نسلهم ، ولا"الإرهاب البوذي"الذي يفعل بالمسلمين ما يفعل في بورما ، ولا"الإرهاب الشيوعي"الذي قتل مائة ألف من المسلمين في طاجستان وطرد الباقين من بلادهم .. ولا غيرها ولا غيرها من صنوف الإرهاب ، كأن الدنيا كلها مستقيمة ملتزمة والمسلمون وحدهم هم الذين يمارسون الإرهاب .

والعلمانيون .. ما موقفهم .. ؟

أليسوا يرددون ذات النغمة فلا يكفون عن الحديث عن الإرهاب الإسلامي ، بينما يصمتون الصمت المريب عن كل ألوان الإرهاب الواقعة في الأرض ، والتي يقع أكثرها على المسلمين ؟ !

ألا يستوقفهم ذلك التوافق العجيب بين مواقفهم ومواقف الغرب تجاه الإسلام ؟ !

وكيف يتأتى أن يتطابق موقف"المسلم"من دينه وقومه مع موقف أعداء دينه وأعداء قومه ؟ !

أليس هذا عجيبا أيها العلمانيون ؟ !

ألا يوقظكم ذلك إلى مدى تغلغل"الغزو الفكري"في نفوسكم بحيث تطابقت أفكاركم ومواقفكم مع أفكار أعدائكم ومواقفهم .. ؟

بل أنتم لا تحسون أنهم أعداؤكم .. بل تعتبرونهم أصدقاءكم و رفقاءكم ..

فما قولكم في قوله تعالى ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) ؟ (1)

وقوله تعالى ( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) (2) .

وقوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (3) .

لقد آن للعلمانيين أن يكتشفوا حقيقة موقفهم .. وأن يسألوا أنفسهم: لحساب من يحاربون الإسلام ؟ !

والمستقبل .. لمن ؟ !

أثبت موقف الغرب - وموقف العلمانيين - من أحداث الجزائر ، أن عداءهم للإسلام أشد بكثير من ولائهم للديمقراطية ، وإيمانهم بمبادئها .

ونحن نؤمن من زمن بعيد أن الغرب لا أخلاق له ، وأن كل تظاهره بالقيم والمبادئ إنما هو رياء ، وتنفج بالباطل ، أو على أحسن تقدير وَهْمٌ يعيشونه في خيالهم ، ليستكملوا في داخل أنفسهم إحساسهم باستحقاقهم السيادة على الأرض ، لا بالحديد والنار فقط ، ولكن بالقيم والمبادئ أيضا ، فيما يسمونه"الحضارة المسيحية ! !"..

نؤمن بذلك منذ أمد بعيد . ولكن العلمانيين في بلادنا أصحاب دعوى عريضة - أو وَهْمٍ كبير - أننا نقول هذا الكلام تعصبا منا ضد الغرب ، وافتئاتا على حضارته ، وعلى قيمه ومبادئه .. التي يكفي منها إيمانه بالديمقراطية !

ثم أحداث الجزائر وتبدى لكل ذي عينين مدى إيمان الغرب بالديمقراطية ..

ثم جاء ما هو أسوأ ..

جاءت أحداث البوسنة والهرسك ، وتهرأت بشكل فاضح كل دعاوى القيم والمبادئ ، وسقط القناع .. وبدا العداء للإسلام في أقبح صورة يمكن أن تخطر على ذهن بشر .. وبدت المؤامرة العالمية ضد الإسلام والمسلمين مكشوفة بلا قناع .

والعلمانيون سادرون في وهمهم يتحدثون عن الديمقراطية ، وعن احترام"الآخر"، ويحاكمون الإسلام إلى تلك المبادئ الزائفة التي لا رصيد لها من الواقع ..

ونترك العلمانيين ومواقفهم التي لا تستند إلى شيء من الحق . ونقول للدعاة الإسلاميين أن يتمثلوا بما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في موقف مشابه: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ) (4) .

(1) سورة البقرة [ 120 ] .

(2) سورة البقرة [217 ] .

(3) سورة المائدة [ 51 ] .

(4) سورة النساء [ 63 ] .

نترك العلمانيين ومواقفهم ونلقي نظرة إلى المستقبل .

على أي شيء تستند هذه"الحضارة"؟

إنها - بلا شك - تستند إلى قوة مادية ضخمة ، لم تتوفر بهذه الصورة من قبل في التاريخ .

وهذه القوة المادية تشمل في أطوائها عبقرية تنظيمية هائلة ، وجلدا على العمل ومثابرة ، وجدية في تناول الأمور ، وتصميماً على الوصول إلى غايات مرسومة .. وتربية دقيقة دءوبة على هذه الخصال .

وكل هذه من أدوات التمكين في الأرض التي قال الله في كتابه العزيز إنه يمكّن أصحابها لفترة من الوقت:

(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ ) (1)

ولكنه - بغير قيم حقيقية - تمكين مؤقت ينتهي إلى البوار ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت