فهرس الكتاب
و"القيم الحقيقية"ليست شيئاً هلامياً يتشكل بحسب الأهواء ، فإن السنن الربانية لا تتعلق بالأهواء . ولو كان البشر هم الذين يدبرون ، وهم الذين يكتبون الأقدار ، لكان لأهوائهم ثقل في الميزان . أما وهم لا ينشئون ولا يدبرون ، وإنما الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده ملكوت كل شيء ، وهو الفعال لما يريد ، فإنا المعايير التي حددها الله سبحانه هي التي تجري بمقتضاها السنن الربانية التي تقرر مصاير الناس في الأرض ..
و"القيم الحقيقية"المعتبرة في ميزان الله ، والتي تجري بها السنن الربانية ، هي الإيمان بالله الحق ، والإيمان بالدين الحق ، والعمل الحقيقي بمقتضى المنهج الرباني ..
وأوربا قد"نسيت"ذلك كله منذ أمد بعيد ..
والله سبحانه وتعالى يقول: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (2)
فالتمكين الذي عليه الغرب اليوم يجري بمقتضى السنن الربانية . والبوار الذي ينتظر الغرب - ما لم يغيروا ما بأنفسهم - يجري كذلك بمقتضى السنن الربانية:
( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (3)
( .. فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) (4)
والذين يستبعدون انهيار"الحضارة الغربية"، ويوسوس لهم الشيطان أن الله لا يمكن أن يدمر عليهم ، وهم يملكون هذا القدر الهائل من أدوات التمكين ، نحيلهم إلى أكبر انهيار في التاريخ ، لأكبر قوة طاغية في التاريخ ، وهي قوة الشيوعية متمثلة في"الاتحاد السوفييتي"الذي انهار كأنما في لحظات ..
والغرب دوره في الطريق ..
لن تمنعه قوته المادية ولا الحربية ولا السياسية عن مصيره المقدر في سنة الله:
( حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (5)
وحين تنهار هذه"الحضارة"الجاهلية فما البديل ؟
البديل هو الحضارة الإسلامية ..
والإسلام - وحده - هو الذي يملك أن يُخرج البشرية من ظلماتها الحالية إلى النور ..
ليس البديل مزيدا من القوة المادية ، ولا القوة العلمية ، ولا القوة الحربية ، ولا القوة السياسية ، وإن كان هذا كله من الأدوات اللازمة للتمكين في الأرض . ولكنه - وحده - لن يحل شيئا من مشاكل البشرية الحالية !
بل إنه إذا وجد - وحده - فسيؤدي إلى مزيد من الصراع ، دون حل جذري للفساد القائم في الأرض . والمتوقع أن يحدث هذا الصراع في الغد القريب بين أمريكا التي توشك على الانهيار - رغم مظهرها الفاره - وبين ألمانيا ، أو بينها وبين ألمانيا وفرنسا المتحالفتين ضدها ، أو بينها وبين الكتلة الأوربية المحتشدة في السوق الأوربية المشتركة أو بينها وبين اليابان ، أو بينها وبين الصين .. وشيء من ذلك كله محتمل في المستقبل القريب ، وحين يحدث فلن يزيد الناس إلا خبالا ، وإيغالا في الانحراف .. الغالب والمغلوب سواء !
البديل المطلوب هم"القيم"المفقودة في عالم اليوم ، والتي يؤدي فقدانها إلى الأحوال السيئة التي تسود عالم اليوم .
(1) سورة هود [ 15 ] .
(2) سورة الأنعام [ 44 - 45 ] .
(3) سورة الأنعام [ 115 ] .
(4) سورة فاطر [ 43 ] .
(5) سورة يونس [ 14 ] .
الظلم السياسي الذي يسود عالم اليوم مبعثه وجود القوة في يد قوم قالوا منذ البدء إن الله لا علاقة له بواقع الحياة الدنيا ، وإن"الإله"المتصرف في واقع الأرض هو الإنسان . وحين رفض ذلك الإنسان أن يكون عبداً لله في شئون الدنيا كما هو في شئون الآخرة أصبح عبداً لهواه ، وعبداً لشهواته: ( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) (1) ، فاستبد وطغى ( كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) (2) ، وأصبح القانون الذي يحكم الأرض هو قانون الغاب: القوي يأكل الضعيف . وشكلت الوحوش"العظمى"هيئات دولية تضفي بها الشرعية على جرائمها ، وتمنع توقيع الجزاءات على ما ترتكبه من العدوان ، وفي الوقت ذاته تلهّى بها الضعفاء المأكولين ، فيظنون - وهم بين مخالب الوحش - أنهم يشاركون في صنع القرار ! !
والظلم الاقتصادي الذي يسود عالم اليوم مبعثه الرأسمالية الربوية التي رفضت أمر الله ابتداء بتحريم الربا ، فأنشأت نظاما يأكل فيه القوي الضعيف في عالم الاقتصاد كما يأكله في عالم السياسة . واستبد الأقوياء اقتصاديا بالضعفاء فامتصوا جهدهم ودماءهم ، وحولوهم خدماً لهم وتبعا ، يسخّرونهم"لمصالحهم"ويمنون عليهم أن تركوهم يحيون إلى جانبهم .. وإنها لحياة الهُون .