فهرس الكتاب

الصفحة 4816 من 27364

والعجيب أن عمارة يشيد بالخليفة المعتصم في قضايا الفكر والحضارة رغم علمه أن الخليفة المتوكل يعتبر من الخلفاء الأدباء فقد كان يمتحن الفقهاء والشعراء ويناقشهم في مسائل شرعية ولغوية عويصة .. عكس الخليفة المعتصم الذي كان مشغولاً دائماً بالجهاد في سبيل الله ولم يكن يعبأ كثيراً بمذهب الإعتزال لولا وسوسة ابن أبي دؤاد له!!

ولكن لماذا تحامل د. عمارة على الخليفة المتوكل وفقهاء الأمة في ذلك الزمان وهم الإمام أحمد بن حنبل وابن راهويه والبخاري ومسلم وأبوزرعة الرازي وأصحاب السنن وغيرهم من العلماء الذين نتشرف بذكر أسمائهم والإنتساب لهم بل إن جل أحاديث الأحكام والعقيدة مأخوذة عنهم ومنهم.. لماذا تحامل عمارة على هؤلاء جميعاً؟! ألأنهم دافعوا عن منهج السلف الصالح وقدموا النص على العقل.. أم لأنهم دحضوا شبهات المعتزلة وأصولهم الخمسة: التوحيد، العدل، الوعد، الوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... أعتقد أن الأمر صار جلياً!!

عود إلى ثورة الزنج:

ثانياً: مؤامرة تاريخية كبرى على صاحب الزنج!!

لقد تحامل العلمانيون ومن على طريقتهم على علماء الإسلام وخاصة شيخ المؤرخين أبا جعفر محمد بن جرير الطبري (ت310 هـ) .. لماذا؟ لأن ابن جرير عمدة الرواة وأهل الأخبار في سرد فتنة صاحب الزنج! العجيب أن الطبري في مواطن أخرى لدى هؤلاء اللادينيين: عالم مؤرخ ثقة لم يكن ممالئاً للسلطة!! أما إذا جاء بما لم يوافق هواهم فابن جرير بوق لمؤسسة اعلامية تابعة للسلطة!! فهو يتكلم باسمها.. هناك مؤامرة تاريخية من أصحاب المذهب التقليدي النصوصي!! وأصاب الطبري سهام التجريح والطعن والتفسير التآمري للتاريخ!! لأنه نطق بالحق!! مع العلم أن الطبري ولد سنة 224 هـ وتوفي سنة هـ310 وفتنة الزنج اندلعت سنة 255 هـ واستمرت حتى قضي عليها بمقتل صحاب الفتنة سنة 270هـ. معنى ذلك أن الطبري عاصر هذه الحركة منذ بداية دعوتها بالتحديد سنة 249ه أي قبل اعلان الحركة عن نفسها وقبل تأسيس عاصمة الزنج (المختارة) مروراً بسنة 255هـ حتى زوال فتنة الزنج سنة 270هـ. فابن جرير لقربه من مسرح الأحداث كان شاهد عيان، وكان يدونها بما يشبه عمل الصحف اليوم لدرجة أنه أفرد لهذه الفتنة أكثر من مائتي صفحة في كتابه الضخم (تاريخ الأمم والملوك) إذن ابن جرير شاهد على عصره وناقل أمين لفتنة الزنج التي كادت أن تقوض دعائم أرض الخلافة التي صارت مرتعاً لكل طامع.. ورغم هذه الحقيقة عن الطبري إلا أنهم أبوا إلا الطعن فيه ليسهل الطعن في كل علماء التاريخ الذين أخذوا عن الطبري، ومن ثم يتحقق لهؤلاء المبطلين مآربهم للنيل من الإسلام ومنهجه!!

فهذا هادي العلوي يسير على منهج المستشرق الفرنسي ماسنيون ويردد نفس مقولته عن الطبري:"وكان الطبري مقاطعاً للسلطة على طريقة فقهاء القرن الأول وكان يتمتع بقسط من حرية الرأي الإجتهاد مع الإتجاه إلى مطالعة كتب الفلسفة في السر لكن معالجته لثورة الزنج بدت كما لو أنها من فعل مؤسسة اعلامية وجهت لدعم حرب العباسيين ضد قائدها الذي يرجع تلقيبه بالخبيث إلى الطبري نفسه" (1) .

ويقول هادي العلوي في موضع آخر:"وقف المجتمع الإسلامي بأسره ضد صاحب الزنج فسحب منه هويته كما منحه لقب (الخبيث) الذي صار علماً عليه في مصادر التاريخ بدءاً من الطبري... ولم يدافع عن الثورة أحد من الفرق والشخصيات الثقافية أو الاجتماعية" (2) .

أما د. محمد عمارة فيقول متعجباً:"فالطبري يقدم أهم أخبارها، وأكثرها ينطلق في تأريخه لها من منطلق العداء، بل والعداء الشديد... فهو (الطبري) يطلق على قائدها: علي بن محمد، أوصافاً من مثل: (الخبيث) ! و (اللعين) ! و (الخائن) ! و (الفاسق) ! بل ويكتفي بصفة من هذه الصفات أو أكثر، عندما يريد الحديث عن صاحب الزنج، ولا يذكر اسمه إلا في القليل" (3) .

(1) هادي علوي: شخصيات غير قلقة في الإسلام/ص224.

(2) هادي علوي: المرجع السابق/ص222.

(3) محمد عمارة: مسلمون ثوار/ص198، ص199.

ويستنكر أحمد علبي وصف الطبري لصاحب الزنج قائلاً:"ولهذا فإن مقتل صاحب الزنج بعد جهاد جهيد كان بمثابة (البشير) كما ورد لدى الطبري (ت 310هـ) الذي هو بمنزلة المؤرخ الرسمي لثورة الزنج: (جاء البشير بقتل الفاجر) إلى الموفق، ثم وفاه أحدهم يحمل كفاً يزعم أنها كف صاحب الزنج. ثم (أتاه غلام من أصحاب لؤلؤ يركض ومعه رأس الخبيث) وأمر الموفق برفع رأس الفاجر على قناة ونصبه بين يديه).. ولا يدهشن قارئ بأمثال هذين النعتين لقائد ثورة الزنج: الفاجر، الخبيث.. فكل متمرد وإن كان الحق ملء برديه والعدالة سرباله وفيض يديه.. هو في نظر السلطة القائمة قمين بكل النعوت ابتداء من الخيانة حتى الفجور والإلحاد، لأن الإيمان يغدو هنا حكراً على السلطة أو أمير المؤمنين، أياً كانت سيرته" (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت