فهرس الكتاب

الصفحة 4817 من 27364

أقول: هكذا نخلص إلى استهجان العلمانيين وبعض الإعتزاليين ومن يسيرون على خطاهم وفي مقدمتهم المستشرق الفرنسي ماسنيون؛ من وصف الطبري لصاحب الزنج بالخبيث أو اللعين أو الفاسق.. فإنهم جميعاً يتميزون غيظاً وحنقاً لهذه النعوت التي يكررها ابن جرير لصاحب الزنج.. وكأنهم يريدون من الطبري أن ينعت صاحب الزنج بما ليس فيه!! كان لزاماً على الطبري أن ينعت من يسفك دماء الأبرياء وينتهك المحارم والحرمات ويستبيح بيضة الإسلام ويروع الآمنين ويقتل الأطفال.. كان لزاماً عليه حسب مزاجهم أن ينعت هذا السفاح السفاك الخارج عن الخليفة الشرعي ؛ بالبطل المغوار والثائر المجاهد، والمؤمن التقي!! لقد كان الطبري مهذباً في نعته لصاحب الزنج.. فهؤلاء اللادينيون ينعتون الشباب الذين يقومون بواجبهم الشرعي ضد السلطات القائمة بأقبح النعوت وبألفاظ ما أنزل الله بها من سلطان!! من أمثال: (بلطجية) .. (مجرمون) .. (ارهابيون) .. (متطرفون) .. إلخ .. فهؤلاء العلمانيون يكيلون بمكيالين، بل لا يحترمون عقولهم ولا عقول غيرهم!!

العلمانيون .. وابن الرومي:

لقد أغضب الشاعر أبو الحسن بن علي بن العباس بن جريج الشهير بابن الرومي (ت284هـ) تيار اليسار الإسلامي وأصحاب العلمنة الغربية وغيرهم.. لماذا؟! لأن ابن الرومي رثا مدينة البصرة وبكاها في شعره بعدما خربها صاحب الزنج، وكانوا ينظرون إليه على أنه شاعر ساخط على الخلافة العباسية لأنه ليس عربياً خالصاً!! ولسيت هذه الدراسة لتقويم ابن الرومي أو الدفاع عنه، فابن الرومي له تصرفات شخصية لكن لا تصل إلى ما كان يتمناه العلمانيون .. فكما يصف لنا ابن رشيق القيرواني (ت 456هـ) :"كان ابن الرومي كثير الطيرة؛ ربما أقام المدة الطويلة لا يتصرف تطيراً بسوء ما يراه أو ما يسمعه، حتى إن بعض إخوانه من الأمراء افتقده فأعلم بحاله في الطيرة، فبعث إليه خادماً اسمه اقبال ليتفاءل به، فلما أخذ أهبته للركوب قال للخادم: انصرف إلى مولاك فأنت ناقص! ومنكوس: اسمك لا بقا.." (2) .

لعل تشاءوم ابن الرومي وسخطه كان مفتاح شخصيته: لكن العلمانيين أساءهم صنيع ابن الرومي وهو يهجو صاحب الزنج لتسميه بلقب إمام:

وتسمَّى بغير حقٍ إماماً …… لا هدى اللهُ سعيَه من إمام

ولم يعجبهم وصف ابن الرومي دخول الزنج البصرة:

دخلوها كأنهم قطع الليـ …… ـل، إذا راح مُدلهمّ الظلام

ولم يعجبهم وصفه لأفاعيل وجرائم الزنج في أهل البصرة:

كم أب قد رأى عزيزَ بنيه…… وهو يعلو بصارم صمصام

كم رضيع هناك قد فطموه… بشبا السيف قبل حين الفطام

ولم يعجبهم وصف ابن الرومي لأطلال البصرة وما حل بها من خراب:

وخلت من حلولها فهي قفرٌ …… لا ترى العين بين تلك الأكام

غير أيدٍ وأرجلٍ لأناس بائنات … … نبذت بينهنّ أفلاقُ هام

ووجوه قد رملتها دماء …… بأبي تلكم الوجوهُ الدوامي

وطئت بالهوان والذل قسراً …… بعد طول التبجيل والإعظام

فتراها تسفي الرياح عليها …… جاريات بهبوةٍ وقتام

خاشعاتٍ كأنها باكياتٌ …… باديات الثغور، لا ، لابتسام

ولم يعجبهم حض ابن الرومي فقهاء المسلمين على الجهاد:

كم خذلنا من ناسك ذي اجتهادٍ … … وفقيه في دينه علام

ولم يعجبهم أيضاً في نهاية القصيدة حث ابن الرومي المسلمين على الأخذ بالثأر وتحرير السبايا ووصفه لصاحب الزنج باللعين:

إن قعدتم عن اللعين فأنتم …… شركاءُ اللعين في الآثام

ويهاجم هادي العلوي ابن الرومي بقوله:"وتكشف قصيدة ابن الرومي عن نقطة التقاء قاطعة بين الطرفين وبين ابن الرومي مؤيد للعلويين، مناوئ للعباسيين ولم يكن يحب تلك الدولة التي عاش في ظلها ينظر بعين الحسد إلى الشرطة إنه لم يجد في عصيان الزنج ما يلأم جروحه، بل بالعكس فقد نكأها بما أيقظه في روحه من عرقية بيضاء يعززها نسب يوناني صريح ومن حس السيادة لدى مالك العبيد، وهكذا وجد نفسه في صف مجوعيه العباسيين يبكي على جمال البصرة الذي دنسه التنين الأسود" (3) .

(1) أحمد علبي: ثورة العبيد في الإسلام /دار الآداب بيروت/ ط1985/ص16.

(2) ابن رشيق القيرواني: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده/تحقيق/محمد محي الدين عبد الحميد/الرشاد الحديثة/ الدار البيضاء/ص69.

(3) هادي علوي: شخصيات غير قلقة في الإسلام/ص224.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت