فهرس الكتاب
انظر إلى هذا التحليل! فقصيدة ابن الرومي حوالي 83 بيتاً لم نجد فيها البكاء على الخبز والجوع!! بل على العكس فكلها حض على الجهاد ورثاء لما حلّ بحريم المسلمين وما ارتكبه الزنج من مجازر بحق الشيوخ والأطفال والنساء وما آلت إليه حال تلك المدينة التي كانت آمنة من قبل أن يخربها الزنج.. هكذا يفسر العلمانيون حوادث التاريخ من خلال منظور مادي بحت! وكأن ابن الرومي لم يكن مسلماً أباً عن جد!! فقد جردوا الرجل حتى من مشاعره وعقيدته الإسلامية التي حركته ليحض المسلمين وفقهاءهم لنجدة السبايا والإنتصار لدين الله.. بالطبع لم يكن الطعن موجهاً لابن الرومي فقط فكل الشعراء الذين عاصروا هذه الفتنة مثل ابن الرومي، ويحيى بن محمد الأسلمي، ويحيى بن خالد بن مروان وغيرهم قد أصابهم سهام التجريح بتهمة التآمر مع السلطة.. فنجد أحمد علبي يقول:"ولا ننتظر أن ينهض بين الشعراء المتكسبين المرتزقة من يقف في صف صاحب الزنج، ويعاضد ثورته، فالشعر العربي كان في معظمه وقفاً على فئة ارستقراطية حاكمة أو نافذة فعكس مأربها ونظم حياتها الزاهية وظل يدور في دائرة مترفة ولم يتعدّ عتبة القصور إلا لمما، وابن الرومي الذي رثا يحيى بن عمر العلوي أجمل رثاء هذا الشاعر نفسه نظر إلى ثورة الزنج وصاحب الزنج نظرة تقليدية فقال:"
أيّ نومٍ من بعد ما انتهك …… الزنج جهراً محارم الإسلام" (1) ."
أقوال بعض علماء الإسلام في صاحب الزنج وفتنته:
1)أبوجعفر بن جرير الطبري:
قال في أحداث 255هـ:"وللنصف من شوال في هذه السنة ظهر في فرات البصرة رجل زعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وجمع إليه الزنج الذين كانوا يكسحون السباخ ثم عبر دجلة فنزل الديناري" (2) .
ويقول الطبري مكذباً ادعاء صاحب الزنج بأنه علوي النسب فيصحح نسبه:"وكان اسمه فيما ذكر: علي بن محمد بن عبد الرحيم ونسبه عبد القيس وأمه قرّة بنت علي بن رجب بن محمد بن حكيم من بني أسد بن خزيمة من ساكني قرية من قرى الري يقال لها (ورزنين) بها مولده ومنشؤه" (3) .."ثم إنه (صاحب الزنج) شخص فيما ذكر من سامراء سنة تسع وأربعين ومائتين إلى البحرين فادعى بها أنه علي بن محمد بن الفضل بن حسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، ودعا الناس ب (هجر) مدينة كانت تابعة للبحرين إلى طاعته واتبعه جماعة كثيرة من أهلها .. فانتقل إلى الأحساء وضوى إلى حي من بني تميم ثم من بني سعد يقال لهم بنو الشماس.. فكان بيهم مقامه.. وقد كان أهل البحرين أحلوه من أنفسهم محل النبي... وقاتلوا أسباب السلطان بسببه ووتر منهم جماعة كثيرة فتنكروا له، فتحول عنهم إلى البادية" (4) .
وكان صاحب الزنج يتلون ويغير اسمه حسب القبيلة التي ينزل فيها.. يقول الطبري:"وذكر أنه عند مسيره إلى البادية أوهم أهلها أنه يحيى بن عمر أبا الحسين المقتول بناحية الكوفة، فانخدع بذلك قوم منهم، حتى اجتمع بها منهم جماعة كثيرة، فزحف بهم إلى موضع بالبحرين يقال له الردم، فكانت بينهم وقعة عظيمة، كانت الدائرة عليه وعلى أصحابه قتلوا فيها قتلاً ذريعاً.. فنفرت منه العرب وكرهته وتجنبت صحبته. فلما تفرقت عنه العرب ونبت به البادية شخص عنها إلى البصرة فنزل بها في بني ضبيعة فاتبعه بها جماعة منهم علي بن أبان المعروف بالمهلبي.. وكان قدومه البصرة سنة أربع وخمسين مائتين ومحمد بن رجاء الحضاري عامل السلطان بها، ووافق ذلك فتنة أهل البصرة بالبلالية والسعدية فطمع في أحد الفريقين أن يميل إليه، فأمر أربعة نفر من أصحابه فخرجوا بمسجد عبّاد.. وهم الذين كانوا صاحبوه بالبحرين فدعوا إليه فلم يجبهم من أهل البلد أحد، وثاب إليهم جند السلطان فتفرقوا ولم يظفر بأحد منهم.. فخرج من البصرة هارباً ..فسار إلى مدينة السلام (بغداد) فأقام فيها حولاً وانتسب فيها إلى أحمد بن عيسى بن زيد، وكان يزعم أنه ظهر له أيام مقامه آيات وعرف ما في ضمائر أصحابه، وما يفعله كل واحد منهم؛ وأنه سأل ربه آية أن يعلم حقيقة أمره فرأى كتاباً يُكتب له وهو ينظر إليه على حائط، ولا يرى شيئاً" (5) .
ويسترسل الطبري في حديثه:"وذكر بعض تُبَّاعه أنه بمقامه بمدينة السلام استمال جماعة منهم جعفر بن محمد الصوحاني، ومحمد بن القاسم، وغلاما يحيى بن عبد الرحيم بن خاقان: (مشرقاً ورفيقاً) فسمى مشرقاً حمزة وكناه أبا أحمد وسمى رفيقاً جعفر وكناه أبا الفضل.. ثم لم يزل عامه بمدينة السلام حتى عُزل محمد بن رجاء عن البصرة، فخرج منها، فوثب رؤساء الفتنة من البلالية والسعدية ففتحوا المحابس، وأطلقوا من كان فيها؛ فتخلصوا فيمن تخلص.. فلما بلغه خلاص أهله شخص إلى البصرة فكان رجوعه إليها في شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين" (6) .
(1) أحمد علبي: ثورة الزنج /ص134.
(2) الطبري: تاريخ الأمم والملوك/ /تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم/دار المعارف القاهرة/ط4/ج9/ص410.
(3) الطبري: المرجع السابق/ج9/ص410.
(4) الطبري: المرجع السابق/ج9/ص410.
(5) المرجع السابق /ج9/ص411 ، ص412.
(6) المرجع السابق/ج9/ص412.