فهرس الكتاب
أقول: نلاحظ أن صاحب الزنج كل هذه الفترة لم ينضم إليه أي زنجي، فعلى مدار سبع سنوات كان يدعو العرب فقط وكان كل قواده من الأعراب أو بالأحرى كان جل أتباعه من اللصوص وقطاع الطرق والهاربين من السجون والمطاريد!! ثم متى وكيف ضم إليه الزنج وهم جماعة من العبيد من السودان ومن بلاد الحبشة كانوا يشتغلون في استصلاح الأراضي الزراعية والبصرة وضواحيها؟!
ذكر ابن جرير أن أول من انضم إليه من العبيد غلام اسمه ريحان بن صالح:"وفي سنة 255هـ اتخذ صاحب الزنج لواء مكتوباً عليه بحمرة وخضرة الآية 111 من سورة براءة (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله) وكتب اسمه واسم أبيه على هذا اللواء وعلقه في خشبة وأخذ يعد العبيد ويحرضهم على عصيان مواليهم بل أمر هؤلاء الغلمان بضرب مواليهم يقول الطبري في ذلك:"فأمر غلمانهم فأحضروا شطبة (سعف أخضر من جريد النخل) ثم بطح كل قوم مواليهم ووكيلهم فضرب كل رجل منهم خمسمائة شطبة" (1) ."
وهكذا انضم الزنج إلى دعوة هذا المتمرد الخبيث.."فلما سار إلى القادسية والشيفيا (..) أمر غلمانه بانتهاك القريتين، فانتهب منهما مالاً عظيماً عينيياً وورقاً وجوهراً وأواني ذهب وفضة وسبى منهما يومئذ أربعة عشر غلاماً ونسوة وذلك أول سَبي سُبي" (2) .
وفي أحداث 257 هـ يقول الطبري: ذكر خبر دخول الزنج البصرة هذا العام وفيها دخل أصحاب الخبيث البصرة فلما كان في شوال من هذه السنة أجمع الخبيث على جمع أصحابه للهجوم على أهل البصرة والجد في خرابها، وذلك لعلمه بضعف أهلها وتفرقهم، واضرار الحصار بهم، وخراب ما حولها من القرى" (3) ."
ادعاؤه أنه كان يوحى إليه:
"فذكر عن محمد بن سهل أنه قال سمعته يقول اجتهدت في الدعاء على أهل البصرة وابتهلت إلى الله في تعجيل خرابها فخوطبت فقيل لي إنما البصرة خبزة لك تأكلها من جوانبها؛ فإذا انكسر الرغيف خربت البصرة" (4) .
غدر صاحب الزنج بأهل البصرة:
"ولم يكن في وجهه أحد يدافعه، ولقيه إبراهيم بن يحيى المهلبي، فاستأمنه لأهل البصرة فأمنهم، ونادى مناد إبراهيم بن يحيى: من أراد الأمان فليحضر دار إبراهيم، فحضر أهل البصرة قاطبة حتى ملأوا الرحاب. فلما رأى اجتماعهم انتهز الفرصة في ذلك منهم، وأمر أصحابه بقتلهم، فقتل كل من شهد ذلك المشهد إلا الشاذ" (5) .
الإعتداء على قوافل الحجاج:
يقول الطبري في أحداث 266هـ:"وفيها وثب الأعراب على كسوة الكعبة، فانتهبوها، وصار بعضها إلى صاحب الزنج، وأصاب الحاج فيها شدة" (6) .
وفي أحداث 269هـ:"قطع الأعراب على قافلة من الحجاج بين تور وسميراء، فاستلبوهم واستاقوا نحواً من خمسة آلاف بعير بأحمالها وأناساً كثيرين" (7) .
وفي أحداث 267هـ:"دخل صاحب الزنج رامهرمز فاستباحها".. وفي أحداث 264هـ:"دخل الخبيث واسط واستباحها وخربها".. وفي أحداث 267هـ يقول الطبري:"وظفر أبو العباس برئيسهم ثابت بن أبي دلف، فمنّ عليه واستبقاه، وضمه إلى بعض قواده ... واستنقذ يومئذ من النساء اللواتي كنّ في أيدي الزنج خلق كثير، فأمر أبو العباس بإطلاقهن وردهنّ إلى أهلهنّ، وأخذ كل ما كان الزنج جمعوه" (8) .
وفي أحداث 267هـ:"استنقذ أبو أحمد (الموفق) من نساء أهل واسط وصبيانهم ومما اتصل بذلك من القرى ونواحي الكوفة زهاء عشرة آلاف، فأمر أبو أحمد بحياطتهم وبالإنفاق عليهم، وحملوا إلى واسط ودُفعوا إلى أهليهم" (9) .
اعذار وانذار من الموفق إلى صاحب الزنج:
ذكر ابن جرير في أحداث 267هـ:"ولما نزل أبو أحمد نهر المبارك .. كان أول ما عمل به في أمر الخبييث أن كتب إليه كتاباً يدعوه فيه إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى مما ارتكب من سفك الدماء وانتهاك المحارم واخراب البلدان والأمصار، واستحلال الفروج والأموال، وانتحال ما لم يجعله الله له أهلاً من النبوة والرسالة، ويعلمه أن التوبة له مبسوطة، والأمان له موجود، فإن هو نزع عما هو عليه من الأمور التي يسخطها الله، ودخل في جماعة المسلمين، محا ذلك ما سلف من عظيم جرائمه، وكان له به الحظ الجزيل في دنياه.. وأنفذ ذلك مع رسوله إلى الخبيث، فألقاه الرسول إليهم، فأخذوه وأتوا به إلى الخبيث، فقرأه فلم يزده ما كان فيه من الوعظ إلا نفوراً واصراراً، ولم يجب عن الكتاب بشئ وأقام على اغترار، ورجع الرسول إلى أبي أحمد فأخبره بما فعل، وترك الخبيث الإجابة على الكتاب" (10) .
(1) السابق/ج9/ص414.
(2) السابق/ج9/422.
(3) السابق/ج9/ص481.
(4) السابق/ج9/ص481.
(5) السابق/ج9/ص482.
(6) السابق/ج9/ص553.
(7) السابق/ج9/ص613.
(8) السابق/ج9/ص564.
(9) السابق/ج9/ص581.
(10) السابق/ج9/ص588.