فهرس الكتاب

الصفحة 4820 من 27364

أقول: قد يقول قائل إن صاحب الزنج خشي أن يغدر به الموفق… هذا التصور غير صحيح لأن صاحب الزنج يعلم جيداً أن الموفق شخصية دَيّنة هو أخو الخليفة كما أنه الآمر الناهي في أرض الخلافة ولم يثبت من سيرته أنه غدر بأحد من قبل بدليل أن كثيراً من قواد صاحب الزنج لما أرسل لهم دعوته للأمان والرجوع والإنابة رجعوا ولم يفتك بهم بل على العكس صاروا في مقدمة الصفوف يقاتلون صاحب الزنج وأتباعه الذين غدروا بأهل البصرة وواسط والأبلة وعبادان ورامهرمز كما علمنا آنفاً، ونسنزيد من ذلك في الفقرات التالية.

بيع الحرائر وكشف عوراتهن:

يقول الطبري في مرثية باكية تتفتت لها لأكباد في معرض حديثه عن أحداث 267هـ حول خبر مقتل أحد قواد الخبيث ويدعى صندل:"وكان فيما ذكروا يكشف وجوه الحرائر المسلمات ورؤسهن ويقلبهن تقليب الإماء، فإن امتنعت منهن امرأة ضرب وجهها ودفعها إلى بعض علوج الزنج ببيعها بأوكس الثمن" (1) .

وفي أحداث 268هـ:"واستنقذوا جماعة من النساء اللواتي كان الخبيث استرقهن، ودخل غلمان الموفق سائر دور الخبيث ودور ابنه انكلاي، فأضرموها ناراً، وعظم سرور الناس بما هيأ الله لهم في هذا اليوم" (2) .

وفي أحداث 269هـ:"واستنقذوا من النساء والأطفال ما لا يحصى عدده" (3) ،"وهرب الخبيث في ذلك اليوم ولم يوقف في ذلك على مواضع أمواله. واستنقذوا في هذا اليوم نسوة علويات كنّ محتسبات في موضع قريب من داره التي كان يسكنها، فأمر الموفق بحملهنّ إلى عسكره وأحسن إليهنّ، ووصلهنّ" (4) .

معاملة الموفق نساء وأولاد صاحب الزنج:

ذكر ابن جرير أن جند الموفق:"أخذوا حرمه وولده الذكور والإناث وكانوا أكثر من مائة بين امرأة وصبي، وتخلص الفاسق ومضى هارباً نحو دار المهلبي، لا يلوي على أهل ولا مال، وأحرقت داره وما بقي فيها من متاع وأثاث وأتى الموفق بنساء الخبيث وأولاده فأمر بحملهم إلى الموفقية مدينة بناها الموفق أمام مدينة الخبيث والتوكيل بهم والإحسان إليهم" (5) .

أقول: هكذا كانت أخلاق أبي أحمد الموفق وابنه أبي العباس الذي صار خليفة فيما بعد.. وكان هذا دأب الموفق في خروجه ضد الأعداء.. ففي أحداث 269هـ:"فأمر جماعة من غلمانه السودان وعرفهم بأن يقصدوا المواضع التي اعتادها الزنج وأن يستميلوهم ويستدعوا طاعتهم فمن أبى الدخول منهم في ذلك قتلوه وحملوا رأسه وجعل لهم جعلاً فحرصوا وواظبوا على الغدو والرواح فكانوا لا يخلون في يوم من الأيام من جماعة يجلبونهم ورؤوس يأتون بها وأسرى يأسرونهم" (6) .

حكم الموفق في أسرى الزنج ورحمته بهم:

أعتقد أن العلمانيين يحسنون القراءة لكنهم لا يحسنون الفهم (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) .

فهذا أنموذج لما كان يتعامل به الموفق وابنه مع أسرى الزنج ومن يأتيهم مستأمناً: ففي أحداث 269هـ ذكر الطبري:"ولما كثرت أسرى الزنج عند الموفق أمر باعتراضهم فمن كان منهم ذا قوة وجلد ونهوض بالسلاح منّ عليه وأحسن إليه وخالطه بغلمانه السودان وعرفهم مالهم عنده من البر والإحسان ومن كان منهم ضعيفاً لا حراك به أو شيخاً فانياً لا يطيق حمل السلاح أو مجروحاً قد أزمنته أمر أن يكسى ثوبين ويوصل بدراهم، ويزود ويحمل إلى عسكر الخبيث فيلقى هناك بعدما يؤمر بوصف ما عاين من إحسان الموفق إلى كل من يصير إليه وأن ذلك رأيه في جميع من يأتيه مستأمناً ويأسره منهم فتهيأ له من ذلك من استمالة أصحاب صاحب الزنج حتى استشعروا إلى ناحيته والدخول في سلمه وطاعته" (7) ).

"وانطلق الموفق ومعه أبو العباس وسائر قواده وجميع جيشه قد غنموا أموال الفاسق واستنقذوا جمعاً من النساء اللواتي كان غلب عليهن من حرم المسلمين كثيراً" (8) .

أقول: هكذا كان الموفق قائد هذه الحروب.. فمن الذي يستحق أن يتغنى بأمجاده؟! الموفق هذا الرجل القوي الرحيم الشفوق صاحب الدين والمروءة أم ذاك الخبيث صاحب الزنج سفاك الدماء الغادر الخائن المخالف للعهود والوعود؟! لو أنصفوا لأشادوا بأبي أحمد الموفق ولصبوا اللعنات على صاحب الزنج السفاح الأفاك!! لكنهم لا يخجلون لمرض في قلوبهم!!

نهاية صاحب الزنج ودولته:

يقول ابن جرير الطبري: في سنة 270هـ:"وانتهى الموفق إلى نهر أبي الخصيب، فوافاه البشير بقتل الفاجر، ولم يلبث أن وافاه بشير آخر ومعه كف زعم أنها كفه، فقوي الخبر عنده بعض القوة. ثم أتاه غلام من أصحاب لؤلؤ يركض على فرسه ومعه رأس الخبيث، فأدناه منه، فعرضه على جماعة ممن كان بحضرته من قواد المستأمنة، فعرفوه. فخر لله ساجداً على ما أولاه وأبلاه، وسجد أبو العباس وقواد موالي الموفق وغلمانه شكراً لله، فأكثروا حمد الله والثناء عليه، وأمر الموفق برفع رأس الفاجر على قناة ونصبه بين يديه، فتأمله الناس وعرفوا صحة الخبر بقتله فارتفعت أصواتهم بالحمد لله" (9) .

(1) السابق/ج9/625.

(2) السابق/ج9/ص641.

(3) السابق/ج9/ص641.

(4) السابق/ج9/ص648.

(5) السابق/ج9/ص608.

(6) السابق/ج9ص608.

(7) السابق/ج9ص649.

(8) الطبري/ج9ص660.

(9) الطبري: السابق ج9ص663.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت