فهرس الكتاب

الصفحة 4878 من 27364

إن الدين ليس مجرد الاعتقاد، إنه طريقة الحياة و نظامها، ففي سورة يوسف مثلا يقول - تعالى -إن يوسف قد"أخذ آخاه في دين الملك.."، أي استفاد من نظام قانون الدولة المصرية آنذاك ليبقي أخاه معه، و في سورة الكافرون تقول الآية، و الخطاب فيها موجه"للكافرين"تقول لهم"لكم دينكم و لي دين"في حين أنه ليس للكافرين دين، إنما لهم أسلوب في ممارسة الحياة لا يرضى عنه الله، فالدين هو أسلوب ممارسة الحياة، و يجب بالتالي أن يظهر في سلوكيات الأفراد، و نظم ترتيب علاقاتهم و تعاملاتهم، و ما العقيدة إلا المرحلة الأولى فقط... فإذا اكتفينا بالعقيدة فنحن إذن لم نقم الدين الذي يجب أن يكون بحسب العقيدة، فالعقيدة ليست الهدف، بل الهدف هو العمل الصالح المرتبط بهذه العقيدة، و ذلك كما أمر به الله و أراده، لا على هوى البشر و ما يفضلون.. و حسب تعريف العلمانية فإنها تريد ان تكون سلوكيات و تعاملات الناس على أسس أخرى غير التي توحي بها أي عقيدة، أي أنها بشكل مباشر معاكسة للدين، و يستحيل أن يجتمع الدين مع العلمانية... و قد نجح هذا المزج فقط مع المسيحية، لأن المسيحية هي جزء العقيدة من الدين بينما الدين الكامل كان يجب أن يكون اليهودية ثم تلحق به المسيحية...

إن إزذهار أوروبا ليس سببه إبعاد الدين عن الحياة، لأن ما لديهم لم يكن الدين، إنما سببه العمل الدؤوب و السعي الجاد، و الله عادل و قد خلق هذه الدنيا بنظم و قوانين، فمن أخذ بالأسباب حقق ما يجب تحقيقه... ثم إن تأخر المسلمين ليس سببه الدين، بل سببه عوامل سياسية يسجلها التاريخ، و تحتاج منا الدراسة، لنرى كيف الخلاص منها... إن البحث عن حل بتقليد أوروبا هو قياس خاطئ... إن مشكلتنا هي فساد سياسي ملء السمع و الأبصار، إذا أردنا الأفضل فلتكن محاربة الفساد السياسي هي الحرب.. الدين عندنا عندما كان عاملا كنا في القمة، و هو ليس عاملا الآن، و لذا نحن في القاع.

من العجيب أن الفكرة في غاية الوضوح، و لكن كيف سيرى من يصر على إغلاق عينيه... إن كل التهم التي أدينت بها النصرانية المحرّفة، هي نفسها التي يريدون أن يلصقوها بالإسلام... و لا عجب، فإن عقلية هؤلاء هي العقلية المتأثرة بأوروبا النافرة من الدين، الذاكرة له بهلع، بسبب ما كان من شأنها معه كما سبق... و لا يلاحظ أولئك أن أوروبا إنما بدأت التمرد على الدين بعد احتكاكها بالمسلمين، عندما بدأت تدرك مقدار الظلام الذي عاشت فيه و تتوق للخلاص الحقيقي من الكنيسة و طغيانها، و هم مع ادعاء اتباع أساليب التفكير العلمي يخطئون عندما يقيسون الإسلام بمعايير التجربة الأوربية، و لا يدركون الفرق بين التجربة التي تمت في ظل الدين المزيف، و التجربة التي تمت في ظل الدين الصحيح، و لقد جرى شيئ مشابه في مصر عندما غزا الفرنسيون مصر، إذ أد الاحتكاك إلى اكتشاف الحاجة إلى إعادة النظر في الذات، و بدأت بالفعل نهضة في أنحاء مصر، على أن أوروبا لم تمهل أحدا، و في خلال عقود كان جميع بلدان العالم الإسلامي محتلة، و لا تزال حتى اليوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت