(والذين جردوا الدين في ديارنا عن السياسة كانوا هم وإخوانهم لا يرون الاشتغال بالسياسة لعلماء الدين، بحجة أنه لا ينبغي لهم وينقص من كرامتهم، ومرادهم حكر السياسة وحصرها لأنفسهم، ومخادعة العلماء بتنزيلهم منزلة العجزة، فيقبلون أيديهم، ويخيلون لهم بذلك أنهم محترمون عندهم، ثم يفعلون ما يشاؤون بدين الناس ودنياهم، محررين عن احتمال أن يجيء من العلماء أمر بمعروف أو نهي عن منكر، إلا ما يعد من فضول اللسان، أو يكمن في القلب، وذلك أضعف الإيمان، فالعلماء المعتزلون عن السياسة، كأنهم تواطأوا مع كل الساسة، صالحيهم وظالميهم، على أن يكون الأمر بأيديهم ويكون لهم منهم رواتب الإنعام والاحترام، كالخليفة المتنازل عن السلطة وعن كل نفوذ سياسي) ، هذا بعض قوله، فلله دره ما أجزل وصفه وأبلغه، وكأنه يعيش بيننا ويرى بعينيه حالنا 0
وألف مصطفى صادق الرافعي كتابه (بين القديم والجديد) وكان في جله غارة على كتاب طه حسين (مستقبل الثقافة) الذي سلك فيه مسلك الخداع والدهاء بعد الهجوم الذي تعرض له اثر كتابه (في الشعر الجاهلي) .
وقد دمرت هذه الغارة الرافعية أيضا كتاب (اليوم والغد) لسلامة موسى الذي يدعو فيه صراحة إلى (أن يكون التعليم أوربيا لا سلطان للدين عليه) بل يدعوا إلى اقتلاع ما في ثقافتنا من (أثار العبودية والذل والتوكل على الآلهة) كما زعم، في هجوم صريح على الدين، غير أن كتاب طه حسين كان أشد منه، ودعى فيه إلى حمل مصر على الحضارة الغربية وطبعها بها، وقطع ما يربطها بقديمها وبإسلامها.
ومقابل ما كانت تدعو إليه مجلات العلمنة، والتغريب، كالمقتطف والسياسة، وغيرها من الارتماء في أحضان الغرب، كان العلماء والمفكرون والدعاة الإسلاميون يجابهون هذه الحرب الضروس بكل قوة، وكان من قادة المعارك الأبطال في ذلك الوقت شكيب أرسلان، ومحب الدين الخطيب، إضافة إلى من تقدم.
ودارت رحى المعركة سنين طويلة، كانت محورها هو الدفاع عن موقع الاستسلام لأحكام الله - تعالى -والوحي في هذا الدين، ضد من كان يريد أن يجتال الناس عن هذا الموقع، ويجعل في محله الانقياد لأحكام وشريعة وأفكار البشر من ملاحدة الكفار، الذين أشرت إلى أسماء شيوخهم من الأوربيين في صدر هذا المقال، جعلوهم أربابا من دون الله - تعالى -يقدمون قولهم على قول الله - تعالى -، وشريعتهم على حكمه - جل وعلا -.
وجاء بعد هذا الفوج من العلماء والدعاة الذين وقفوا في وجه العلمنة، أفواج وأفواج، منهم علماء الطريقة السلفية كأحمد شاكر وحامد الفقي وغيرهما كثير داخل مصر وخارجها وقد قدمتهم في مقال سابق، من أبرز الأبطال محمد محمد حسين - رحمه الله تعالى -، ومحمود شاكر، وأبو الحسن الندوي وغيره من القارة الهندية، ومنهم الكتاب والمفكرون والأدباء والشعراء الإسلاميون.
وفي خضم المعركة ألف سيد قطب - رحمه الله - كتاب الظلال، وغيره من الكتب وكانت غالب كتبه لاسيما المتأخرة منها، هجوما كاسحا على معاقل العلمنة، وقد ضرب القوم ضربات مدمرة إلا أن السيف نبا نبوات والله يغفر له، وقد جمع بين جهاد الكلمة وجهاد النفس، وشكر موقفه آنذاك أهل العلم ممن كان يعلم طبيعة الحرب التي كان يجابهها والعدو الذي كان يحاربه.
وقد انتشرت الحرب إلى جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي وتواجه الفريقان في كل قطر، فريق يدعوا إلى التحاكم إلى الله - تعالى -، وشريعته، وفريق يدعوا إلى العلمنة واللادينية.
وقد شارك في محاربة العلمنة من لا يحصيهم إلا الله - تعالى - من أعضاء الجماعات الإسلامية، كـ (الإخوان المسلمون) ، وغيرهم من الدعاة المسلمين في جماعات الدعوة المعاصرة، إما بالرد عليهم مباشرة، وأما بالدعوة إلى هذا الدين، وإقامة شرائعه، وإظهار معالمه في نواحي الحياة كلها، وان كانت ناحية الأحكام والتشريع والقضاء قد حماها العدو وأحكم حصارها، لأنه يعلم عظم منزلتها وخطورة أمرها.
وقد استمرت المعركة تترى، وتناقلها الأجيال، يخلف الجيل الإسلامي جيل آخر، فيحمل اللواء ويقود المعركة، وأما العلمانية فخلف من بعدهم أيضا خلف أضاعوا الدين، واتبعوا نفس أساليب الحرب التي استعملها أشياخهم، ورؤوسهم، فهم يظهرون العداوة تارة، ويخفونها تارة، ويمكرون مكرهم الخفي تارة، ويعلنونه تارة، ويدسون الكفر في كتبهم وعباراتهم ويسلكونه بخبث في عقول المسلمين، وقد امتلأت عقولهم من الشبهات، وقلوبهم من الغل على الإسلام:
يا قوم شاهدنا رؤوسكم على *** هذا ولم نشهده من إنسان
إلا وحشو فؤاده غل على *** سنن الرسول وشيعة القرآن
وهو الذي في كتبهم لكن *** بلطف عبارة منهم وحسن بيان
يا من يظن بأننا حفنا عليهم *** كتبهم تنبيك عن ذا الشان
فانظر ترى لكن نرى لك تركها *** حذرا عليك مصايد الشيطان
فشباكها والله لم يعلق بها *** من ذي جناح قاصر الطيران
إلا رأيت الطير في قفص الردى *** يبكي له نوح على الأغصان
ويظل يخبط طالبا لخلاصه *** فيضيق عنه فرجة العيدان
والذنب ذنب الطير أخلى طيب *** الثمرات في عال من الأفنان
وأتى تلك المزابل يبتغي *** الفضلات كالحشرات والديدان