ثم جاء جيلنا نحن، فنحن في نعيش حلقة من حلقات الصراع، ورأينا من أبناء العرب من ترك طيب الثمرات في عالي الأفنان، وأتى مزابل هؤلاء العلمانيين يبتغي فضلاتهم، وجندوا أنفسهم للانتصار للفكر العلماني، وصارت هذه القضية هي أكبر معارك الثقافة والسياسة والإعلام والتعليم 00الخ، نعيشها كل يوم بل كل ساعة.
وهي من أكبر قضايا العصر الذي نعيشه، وهي أكبر أزمات الأمة في الوقت الراهن، ومنها تتفرع كل الأزمات، من التحاكم إلى غير شريعة رب العالمين، وتقديم تصورات البشر وأفكارهم وفلسفاتهم على الوحي الهادي الذي جاءت به الأنبياء، قال - تعالى - (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) .
هذا هو تاريخ قضية الصحوة المعاصرة، ومنه انحدر واقعنا المعاصر الذي نعيشه اليوم، وإذا أردنا أن نفصل في طبيعة المعركة هذه الأيام، ورجالها سنحتاج إلى حلقات طويلة، ويغنينا عن ذلك أنها أحداث نعيشها، فمن يتابع صحفنا، وإعلامنا، ومؤسسات الثقافية، وما يجري في عالمنا العربي، والإسلامي على كل المستويات يرى بأم عينيه وقائع المعركة لا تخفى معالمها.
لا تزال الحرب تدور رحاها:
ولازالت الحرب دائرة رحاها، لم تضع أوزارها، ولن تضع أوزراها إلا إذا سقط أخر معاقل العلمنة، وقام صرح الحكم بما أنزل الله - تعالى -في الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والحياة.
ونحو هذا الهدف تتحرك الصحوة الإسلامية المعاصرة، واليه تزحف جيوشها، ومن أجله تنشط جماعاتها بالدعوة، وفي سبيل تحقيقه تنظم صفوفها، وتتلقى الضربة تلو الأخرى، وتسقط الضحايا، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا.
بل توالت الصفوف تنطلق إلى أرض المعركة، تحافظ على راية الجهاد مرفوعة، لا يضعفون، ولا يستكينون لكثرة الشهداء، فالنصر وعد أكيد والعاقبة للمتقين.
والحرب مع العلمنة في العالم الإسلامي، لم تضع أوزارها منذ أن هجمت جيوشها الغازية على بلادنا الإسلامية، و الصحوة الإسلامية هي التي وقفت سدا منيعا في وجهها، وخاضت معركة الإسلام ضد أعدائه.
وهي تتلقى الهجمات من جهتين:
جهة كاشفة عن مقصدها، تحارب الدين وترفضه، وتدعوا جهارا إلى عزله عن الحياة، وأهونهم شرا من يدعوا الى جعل الدين جزءا من تراث يقوم بدوره المحدد في الحياة.
وهم يزعمون أن قصدهم احترام الدين، بدعوتهم إلى حصره في دائرته، وعرف المتدينون حدودهم التي لا تتعدى المسجد، والمناسبات الدينية الرسمية، ومكتب المفتي الذي لا يتدخل في شئون الدولة وسياساتها في الحكم، والإعلام، والثقافة، والعلاقات الداخلية والخارجية، بل يكون كمنزلة البابا في دول الغرب يحترمونه ويعظمونه إذا بقي في اختصاصاته الطقوسية لا يتعداها.
وهم في الحقيقة لا يحترمون الدين بهذا الزعم، ولا يوقرونه، بل هم عازمون على قتله ومحوه، وعلى القضاء عليه بمكر، وخديعة، وخبث، لأنهم يعلمون أن دين الإسلام، دين الحياة، إن عزل عنها انقرض مع الزمان، فأحدثوا هذه الحيلة السخيفة.
وجهة أخرى تحارب الدين باسمه، ترفع رايته تضليلا، وتلبس العلمنة لباس الإسلام.
وهؤلاء كالذين يخرجون من حصن العدو، الفينة بعد الفينة، فيحملون المصاحف، ليخدعوا أهل الجهاد، ثم يندسون بين الصفوف داعين إلى إلقاء السلاح، معوقين عن الجهاد، فيشككون في الأهداف، ويثبطون المسيرة.
وما أشبه ما يفعله محدَثوهم بما فعله متقدموهم، فاقرءوا معي ما قاله الكاتب الإسلامي الجهبذ المجاهد محمد محمد حسين، عن الدور الذي كان يقوم به الكواكبي يقول(وكلام الكواكبي هنا متأثر بما كان يذيعه ساسة الدول الاستعمارية عن الجامعة الإسلامية، من تخيل الخطر الذي يهدد الغربيين في اجتماع كلمة المسلمين وارتباطهم برابطة الإسلام، الذي يدعو إلى مجاهدة غير المسلمين، والذي يعتبر هذا الجهاد ركنا من أهم أركان الدين.
على أن الناظر في كلام الكواكبي يجده متأثرا بفكره البابا الذي اتخذ مقره في روما، مهد المسيحية الأولى في أوربا، والذي يرأس المجمع الدين، ويتوج الملوك رعاية لسلطان الدين، كما أن الناظر في كلامه يريبه ما فيه من تودد الى الدول المستعمرة، ومن تهوين لوقوع الأمم الإسلامية تحت حكمهم، وإسقاط فريضة الجهاد بعد أن فسرها تفسيرا غريبا)انتهى من كتاب الاتجاهات الوطنية.
فهذا الكواكبي كان منتسبا إلى الدين، وهو مع ذلك يأتي من القول الخطل ما يوقع بين المسلمين الفتنة، ويحرض ضد اجتماعهم لأنه يدعو إلى عزل الدين، ويهون وقوع الأمة في حكم الكافر، ويضعف موقع الجهاد في الإسلام، فهو يمهد الطريق للعلمنة، ويعينها على بلوغ أهدافها في العالم الإسلامي، وهكذا يفعل الأشباه، عندما يهونون مقالة الكفر القائلة (الدين لله والحكم لقيصر) .