كما يتخذون هذه القواعد أيضًا منطلقًا لنقل كل النظم الاقتصادية، والسياسية السائدة في عالم الكفار إلى بلاد المسلمين، من غير أن يتفطن أكثر الناس إلى حقيقة هذه الأمور.
وفي تصوري أن هذا المسلك من أخطر المسالك وأشدها ضررًا لما فيه من شبهة وتلبيس على الناس أن هذه الأمور إنما هي مرتكزة على قواعد شرعية معترف بها، وكشف هذا المسلك على وجه التفصيل ومناقشة كثير من هذه الأمور على وجه البسط والتوضيح في حاجة إلى كتابة مستقلة لكشف كل هذه الأمور وتوضيحها وإزالة ما فيها من لبس أو غموض.
ونحن نحب أن نؤكد هنا أن اعتمادهم على هذه القواعد أو غيرها ليس لإيمانهم بها، وليس لإيمانهم بعموم وشمول وكمال الدين الذي انبثقت منه هذه القواعد، وإنما هي عندهم أداة يتوصلون بها إلى تحقيق غاياتهم الضالة المنحرفة.
واجب المسلمين
في ظل هذه الأوضاع بالغة السوء التي يعيشها المسلمون، فإن على المسلمين واجبًا كبيرًا وعظيمًا ألا وهو العمل على تغيير هذا الواقع الأليم الذي يكاد يُحرِّف الأمة كلها بعيدًا عن الإسلام.
والمسلمون جميعهم اليوم مطالبون ببذل كل الجهد: من الوقت والمال والنفس والولد لتحقيق ذلك، وإن كان العلماء وطلاب العلم والدعاة إلى الله وأصحاب القوة والشوكة عليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، لأنهم في الحقيقة هم القادة وغيرهم من الناس تبع لهم.
ولا خروج للمسلمين من هذا الواقع الأليم إلا بالعلم والعمل، فالعلم الذي لا يتبعه عمل لا يغير من الواقع شيئًا، والعمل على غير علم وبصيرة يُفسد أكثر مما يُصلح.
ولا أقصد بالعلم العلم ببعض القضايا الفقهية الفرعية ولا ببعض الآداب ومحاسن العادات، كما يحرص كثير من الناس على مثل هذه الأمور، ويضعونها في مرتبة أكبر من مرتبتها في ميزان الإسلام، ولكني أقصد بالعلم، العلم الذي يورث إيمانًا صحيحًا صادقًا في القلب، مؤثرًا حب الله ورسوله ودينه على كل ما سوى ذلك، وباعثًا على العمل لدين الله والتمكين له في الأرض وإن كلفه ذلك ما كلفه من بذل النفس والنفيس، ولن يتأتى ذلك إلا بالعلم الصحيح بحقيقة دين الإسلام، واليقين الكامل التام الشامل بحقيقة التوحيد أساس البنيان في دين الإسلام، ثم لابد مع ذلك من العلم بالمخاطر التي تتهدد الأمة الإسلامية، والأعداء الذين يتربصون بها والدعوات الباطلة والهدامة التي يُروَّج لها، وما يتبع ذلك من تحقيق البراءة من أعداء الدين، وتحقيق الولاية للمؤمنين الصادقين.
وإذا كان من الواجب على المسلمين طلب العلم والدأب في تحصيله وسؤال أهل الذكر، ليكون المرء على بصيرة كاملة ووعي صحيح، فإن من الواجب على أصحاب القلم - من الكُتَّاب والناشرين - العمل على الإكثار من نشر الكتاب الإسلامي الذي يربط المسلمين بالإسلام كله، والذي يُعطي كل شرعة من شرائع الإسلام وكل حكم من أحكامه قدره ومنزلته في ميزان الإسلام، بحيث لا يزيد به عن قدره ولا ينزل به عن مرتبته، ولا يضخم جانبًا على حساب جوانب أخرى متعددة، وفي هذا الصدد فإن الكُتَّاب والناشرين مدعُوُّون بقوة إلى الالتزام بذلك، وخاصة في تلك الظروف العصيبة الحرجة التي تمر بها الأمة الإسلامية، فلا يليق بهم ولا ينبغي لهم أن يُجَاروا رغبات العوام وغيرهم في الإكثار والتركيز على جانب معين من جوانب الدين مع إهمال جوانب أخرى هي في ميزان الإسلام أجلّ قدرًا وأخطر شأنًا.
ونحن في هذا الصدد لا نريد أن نقع فيما وقع فيه غيرنا فندعو إلى إهمال الجانب الأقل في ميزان الإسلام لحساب الجانب الأكبر، ولكنا ندعو إلى التوازن بحيث تكون الكتابات في الجوانب المختلفة متوازنة مع مرتبتها وثقلها في ميزان الإسلام، فلا يُقبل أن تكون المكتبة الإسلامية مملوءة بالكتابات المختلفة المتنوعة عن الجن، والسحر، والشعوذة، والورع، والزهد، والأذكار، وفضائل الأعمال، وفروع الفروع الفقهية، وأشباه ذلك (7) ، بينما نجد المكتبة تكاد تكون خاوية من الكتاب الميسر الصالح للتناول لتناول العام في مجالات بالغة الأهمية.
مثل: أحكام الفقه السياسي في الإسلام: أو بالتعبير القديم (الأحكام السلطانية) .
ومثل: مناقشة النحل الكثيرة التي بدأت تنتشر في عالم المسلمين (كالعلمانية، والديمقراطية، والقومية، والاشتراكية، والأحزاب ذات العقائد الكفرية كحزب البعث، والأحزاب القومية، وغير ذلك) .
ومثل: الكتابات التي تتحدث عن الجهاد، لا أقصد الجهاد بمعنى فرضيته ودوامه إلى قيام الساعة، ولكن أقصد إلى جانب ذلك الكلام عن جهاد المرتدين اليوم في عالم الحكام، وأصحاب السلطان الذين تبنوا المذاهب الاشتراكية، والعلمانية، والقومية، والديمقراطية، وغير ذلك ودعوا إليها وألزموا الناس بها.
ومثل: الحديث عن كيفية العمل لإعادة الخلافة الضائعة، إلى غير ذلك من المواضيع ذات الأهمية البالغة في حياة المسلمين، وإذا نظر الإنسان إلى ما كُتب في هذه المواضيع، وما كُتب في المواضيع الأخرى لهاله التباين الشديد في هذا الأمر، وإذا نظر أيضًا إلى كمية المباع من ذاك ومن هذا لهاله الأمر أكثر وأكثر.