والفصل الثاني: البدع المستحدثة في الدين النصراني: تكلم في هذا الباب عن دين أوروبا النصرانية الذي انحرفت عنه إلى اللادينية، وأثبت ما اعترى النصرانية من تحريف وتبديل، وأنه لم يعد يمثل دين الله الحق لا في العقيدة، ولا في الشريعة، بل تحول إلى مجموعة من الخرافات والبدع تولت الكنيسة كِبَر تسويقها وترويجها، وإيهام الناس أن ذلك هو الدين النصراني، وكان هذا التحريف الذي أصاب الدين النصراني على يد القساوسة الكذبة هو السبب الممهد للعلمانية، حيث طغت الكنيسة ودوخت أتباعها في خرافات يرفضها العقل، وتمجها الفطرة، فقد وقع أولاً تحريف العقيدة، وتحريف الأناجيل التي بلغت سبعين إنجيلاً كلها شاهدة على أنها محرفة، يكذب بعضها بعضاً، هذا فوق مئة وعشرون رسولاً منهم من ألّف أناجيل، ومنهم من كتب رسائل، وفرق وطوائف تزيد على الحصر تختلف في قضايا أساسية بالغة الأهمية.
ولقد كان انعقاد مجمع نيقية الشهير في عام 325م يمثل معلماً من معالم التاريخ البارزة، وشاهداً على أن النصرانية قد حرفت وبدلت، وفقد الناس الثقة في حقيتها وقدسيتها، وبعد تحريف الأناجيل جاء تحريف الشريعة، وكان من أولى فصول هذا التحريف فصل الدين عن الدولة،
بين المؤلف أن الشريعة النصرانية لم يكتب لها التطبيق على المستوى العام، وذلك لسببين متلازمين: الأول أن الشريعة النصرانية لم تقم لها دولة تتبناها وتقيمها في الأرض، فقد توفى الله عيسى - عليه السلام - ورفعه إليه وهو لم يزل في مرحلة الدعوة التي تشبه حال الدين الإسلامي قبل الهجرة، والسبب الثاني: أن المسيح - عليه السلام - بعث إلى قوم قساة تسيطر عليهم إمبراطورية وثنية عاتية، اضطهدت المؤمنين من أتباع المسيح وعذبتهم، فانحسر تطبيق الشريعة في أضيق نطاق بسبب هذا العداء الشديد.
وكان لليهود اليد الطولى في إلحاق الأذى بالمؤمنين بتعاليم المسيح - عليه السلام -، فلا يخفى أمر شاؤل الطرسوسي أو بولس ( رسول الأمم) ! وخداعه باعتناق المسيحية، وقيامه بغزوها من الداخل تماماً كما قصد عبد الله بن سبأ غزو الإسلام من الداخل.
فكان بولس المفسد الأول والأكبر بجدارة لتعاليم المسيح - عليه السلام -، قام شاؤل هذا بإصداره تعليمات مناقضة لتعليمات المسيح مما أحدث في الناس بلبلة وفتنة، فوقعوا بذلك في بلاء عظيم، كما أنه مزج الدين الذي جاء به المسيح - عليه السلام - بالوثنيات القائمة آنذاك، ثم ما كان من الاضطهاد الشديد الذي أوقعه أباطرة الرومان - وعلى رأسهم نيرون - بأتباع المسيح - عليه السلام -، حيث تقشعر الأبدان من ذكر فظائعهم وجرائمهم، ثم جاء عام 325م الذي يمثل عام النصر الحاسم على أعداء المسيح، حيث ظفرت الكنيسة بالإمبراطور، وأدخلته في الدين المسيحي، لكن الكنيسة لم تنتفع بهذا التزاوج بين القصر والكنيسة بما يعود بالخير على الناس في دينهم، بل كان ارتباطها بالإمبراطور ارتباط مصلحة لا يمت إلى الإيمان بصلة؛ فبقيت الوثنية متجذرة في نفوس الناس تغطيها غلالة رقيقة من الصبغة المسيحية، ولهذا عجزت الكنيسة عن إقامة الحياة على أسس متينة من الإيمان، وفتح الباب للخرافات والأساطير والتقاليد الوثنية، وامتزج كل ذلك بروايات الأناجيل وآراء المجامع المقدسة، وتلاقحت الشريعة والقانون الروماني فأصبحت المسيحية ديانة تركيبية أو بوتقة انصهر فيها عقائد وخرافات وآراء متباينة شكلت ديناً غير متسق ولا متناسق.
ثم بدأت الكنيسة في إصدار نصوص مكذوبة تبرر بها للناس ذلك المنحى الجديد الذي اتخذته بعد هذا التزاوج المقيت بين الكنيسة وقيصر، وكان من أهم هذه الأقوال القول المنسوب زوراً للمسيح: أعط ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"."
فلقد ظل هذا القول شعاراً ترفعه الكنيسة كلما عنّ لها أن تتمرد على شرع الله، ثم بين المؤلف أن هذه العبارة المنسوبة للمسيح في إنجيل متى تبين أن الأناجيل التي بأيديهم لا تثبت أمام البحث العلمي، وأنها لا قيمة علمية تاريخية لها، فكلها ظنية الثبوت، ظنية الدلالة، فكيف يحتج بهذه الظنيات على مسألة بالغة الخطورة كهذه، ويعني مسألة أن يوافق المسيح على أن يجعل قيصر شريكاً لله - تعالى - في التوجه إليه بالعمل، وإيقاع الناس في شرك الطاعة والاتباع.