فهرس الكتاب

الصفحة 4963 من 27364

ثم يتنزل المؤلف جدلاً ويفترض أن المسيح - عليه السلام - تفوه بهذه الكلمة، ويتساءل: هل يعني ذلك أن نفهم من العبارة ما فهمته الكنيسة من ظاهرها؟، ونتخذ من فهمنا هذا قاعدة هي أعظم القواعد الكنسية العملية على الإطلاق؟ ثم يعرض المؤلف العبارة التي استلوها من إنجيل متى، ويتتبع السياق لفهمها في إطارها فهماً صحيحاً على افتراض صحة ثبوتها، ونص القصة:"ذهب الفريسيون وتشاوروا لكي يصطادوه بكلمة، فأرسلوا إليه تلاميذهم قائلين: يا معلم، إنك صادق، وتعلم طريق الله بالحق ولا تبالي بأحد، فقل لنا: أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع خبثهم، وقال: لماذا تجربونني يا مراؤون، أروني معاملة الجزية، فقدموا له ديناراً، فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ قالوا له: لقيصر، فقال لهم أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فلما سمعوا تعجبوا وتركوه"اهـ، وهكذا شأن أعداء الرسل، وخصوم الإيمان في كل زمان، يسعون في الإيقاع بالمؤمنين، ويحاولون إثارة السلاطين عليهم بما يدركون من افتراق طريق الإيمان وطريق السلطان، يفعلون ذلك لحرمان أهل الإيمان من الاستفادة من هدوء الحال لتمضي الدعوة في خطة تكوين طلائع الإيمان، وتربيتهم لحمل الأمانة، وتبليغ الرسالة، ونشر هدايتها في الناس، ويعلق المؤلف على هذه القصة فيقول: كان المسيح - عليه السلام - وأتباعه قلة مضطهدة تتبنى دعوة جديدة ناشئة، فلم يكن في مقدورها أن تصطدم بالإمبراطورية الطاغية، وتواجهها بعداوة سافرة، ولم تكن هذه المواجهة مطلوبة منها وهي لا تزال في طور الدعوة - يقابل ذلك في الإسلام فترة ما قبل فرض الجهاد -، وهذا الطور يقتضي الالتزام بمبدأ"كفوا أيديكم"كيلا يستثار عدو باطش فيفتك بالدعوة في مهدها، ثم يقول: فالمسيح - عليه السلام - ( لو صحت العبارة ) وافق على إجراء مؤقت تقتضيه ضرورة الواقع، وطبيعة الدعوة المرحلية، ثم أشار إلى نظائر ذلك في مراحل الدعوة في السيرة النبوية.

ويمضي المؤلف في استعراض ما عمدت إليه الكنيسة الزائغة من عبارات موهمة تنسبها الأناجيل إلى المسيح، وهي عبارات قيلت مجازاً، أو رددت في ظروف مؤقتة، وملابسات خاصة، وإنما قصدت الكنيسة أن تقرر بهذه العبارات قواعد أصولية تؤسس عليها دينها المحرف دون مراعاة لمنطق الاستدلال، ومقتضى التحقيق العلمي.

وكان من هذه العبارات التي نسبوها إلى المسيح - عليه السلام - أيضاً:"مملكتي ليست من هذا العالم"، وأشاعت الكنيسة المفهوم الذي تريده لهذه العبارة وهو: الدنيا والآخرة ضرتان متناحرتان، وضدان لا يجتمعان، الدنيا مملكة الشيطان، ومحط الشرور والآثام، وأن سعي الإنسان فيها للسعادة والتمتع بخيراتها دنس يحرمه من ملكوت الله في الآخرة، وهو مفهوم يتيح للمفسدين من القساوسة والقياصرة الطغاة أن يعبثوا بالحياة ما شاءوا دون أن يعترض طريقهم أحد، وما كان للمسيح - عليه السلام - أن يتكلم بمثل هذه العبارة التي هي أقرب إلى النظرة البوذية الوثنية للحياة من نظرة رسول كلفه الله بدعوة الناس لعبادة الله، وتحذيرهم من اتباع الأهواء، وما كان هذا المفهوم الذي روجوه للعبارة أن يخطر ببال أحد رسل الله الذين جاءوا لتغيير الواقع الجاهلي المنحرف، وإقامة واقع جديد تحكمه الشريعة المنزلة.

ثم أفرد المؤلف فصلاً عن البدع المستحدثة في الدين النصراني، فعد منها رجال الدين ( الإكليروس ) ، ورفض التعليل الجاهلي لظهور طبقة رجال الدين بأنه مجرد تطور بشري ديني اجتماعي، وأنه مر بثلاث مراحل: مرحلة السحر والخرافة، ومرحلة الدين، ومرحلة العلم، وأن الإنسان حين انتقل إلى مرحلة الدين بقيت فيه رواسب موروثة عن المرحلة الأولى من أبرزها طبقة رجال الدين الذين ليسوا سوى امتداد للسحرة والكهان، فيبين المؤلف أن هذا التفسير مرفوض، وأن التصور الإسلامي للتاريخ ينظر إلى الحياة البشرية على أنها خطان متوازيان: خط مشرق يمثل البشرية حين تهتدي إلى الله، وتسلك طريق الأنبياء الذين يتعاقبون لردها إلى جادة الطريق، وخط آخر مظلم يمثل حزب الشيطان، وفترات الضلال الذي طرأ على البشرية بعد أن كانت أمة واحدة على الإيمان، والسمة العامة للتاريخ هي الصراع بين الهدى والضلال، بين الحق والباطل.

ثم أوضح أننا لا ننكر التشابه الظاهر بين رجال الإكليروس في المسيحية وبين السحرة والكهان في العصور السابقة، لكننا نرجع ذلك إلى كون الطائفتين انحرفتا عن الأصل الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت