ثم تكلم عن خط الانحدار الذي يصف حالة الكنيسة وهي تتردى وتفقد صلتها بالدين، وتقطع أواصرها بالإيمان، فيقول بعد أن يشير إلى أحبار اليهود وفسادهم، وأن المسيح - عليه السلام - كان يسميهم أولاد الأفاعي، وبائعي العهد، وعباد الدنيا، قال: لكن القسيسين والرهبان لم يكونوا أفضل حالاً من الأحبار، فقد سلكوا الطريق نفسها، وانصاعوا إلى الدنيا مستعبدين أتباعهم المؤمنين، فكانت هيئة الدولة تمثل هرماً قمته الإمبراطور، وقاعدته الجنود، وكانت الهيئة الكنسية تمثل هرماً مقابلاً قمته الباب، وقاعدته الرهبان، ونتيجة لمبدأ فصل الدين عن الدولة رعت الإمبراطورية الهرم الكنسي، ولم تر فيه ما يعارض وجودها، فرسخ واستقر، وكان من البدع المستحدثة في الدين النصراني أيضاً الرهبانية: وقد بين المؤلف أن للوجود الإنساني في هذه الأرض غايةً أرادها الخالق سبحانه منذ أن استخلف الإنسان في الأرض، وأناط به مسئولية عمرانها بالخير والصلاح، وركز في فطرته الاستعداد لهذه المهمة وبعث الرسل لقيادة الإنسان لتحقيق هذه الغاية على أكمل نموذج، وأقوم مثال، لكن الناس كانوا يضلون فيسيرون في غير الاتجاه الذي تأخذهم إليه الفطرة، وتقودهم إليه الرسل، فتستهويهم الشياطين، وتضلهم الشهوات عن سواء السبيل، فينحرفون عن الجادة في صور من الضلال متعددة ومتنوعة، وكان من هذه الصور المنحرفة النظرة غير السوية إلى الحياة وغايتها وقيمتها، والغلو في تهذيب النفس إلى حد التضييق والتعذيب، مع الانصراف عن عمارة الأرض، التي هي جزء من الغاية العظمى، ومع أن الرهبانية بدعة بشرية مشتركة بين أديان عديدة؛ إلا أن للرهبانية النصرانية ظروفاً وأسباباً أبرزتها حتى غدت من أجلى مظاهر النصرانية على مر العصور.
أسباب الرهبانية: (1) عقيدة الخطيئة الأصلية الموروثة، وهي إحدى التعاليم الكبرى في المسيحية المحرفة، ومرجعها عندهم أن آدم - عليه السلام - لما أكل من الشجرة عوقب بالحرمان من الجنة، فظل بنوه يرسفون في أغلال تلك الخطيئة حتى جاء الخلاص على يد المسيح ليصلب فداء للنوع الإنساني، فأصبح لزاماً على الإنسان أن يقتل نفسه ليمنحها الخلاص كما يقول متى في إنجيله:"من أراد أن يخلص نفسه يهلكها".
(2) رد الفعل المتطرف للمادية اليهودية الجشعة، والأبيقورية الرومانية النهمة.
(3) الأثر الذي خلفته الفلسفات والوثنيات التهريبية القانطة.
(4) الأوضاع الاجتماعية القاسية.
نظام الرهبانية:
ثمة شروط يتضمنها نظام الرهبانية: أولها العزوبة، وما يلزمها من التنفير من المرأة وإن كانت زوجة، وترذيل الصلة الجنسية وإن كانت حلالاً، فهذا"سان بونافنتور"أحد رجال الكنيسة يقول: إذا رأيتم امرأة فلا تحسبوا أنكم ترون كائناً بشرياً، بل ولا كائناً حياً وحشياً، وإنما الذي ترون هو الشيطان بذاته، والذي تسمعون هو صفير الثعبان"."
الثاني: التجرد الكامل عن الدنيا، ويعنون بها العزلة النهائية عن المجتمع، وقطع النظر عن كل أمل في الحياة.
الثالث: العبادة المتواصلة.
الرابع: التعذيب الجنوني.
صادمت هذه التعاليم المنحرفة الفطرة فكان لابد من الخسران والشقاء، وكان من تلك البدع المستحدثة كذلك الأسرار المقدسة: امتلأت الوثنيات القديمة بالأسرار والأساليب الخفية، والرموز الغامضة، وقد سجل التاريخ غلطة شنيعة على بعض أتباع الديانات باقتباسهم لأشياء من تلك الأسرار والرموز؛ وإدخالها في دينهم، وذلك ما حصل بعينه في المسيحية المحرفة.
تناول المؤلف واحداً من هذه الأسرار التي دأبت الكنيسة على استعمالها في ستر نقائصها ومخازيها، وقطع الطريق على كل محاولة تطلب تفسيراً يقبله العقل، وترفض أن تتصلت الكنيسة على عقول الناس بقولها ( سر إلهي ) ، وكان من هذه الأسرار الإلهية الكنيسية سر"العشاء الرباني"أو"القربان المقدس".
ثم يبين المؤلف أن ذلك كان من دس شاؤل اليهودي الذي يؤكد جوستاف لوبون - أحد النقاد العقليين - أن شعائر النصرانية ومنها العشاء المقدس بدعة منقولة عن الوثنية المثرائية، وأن شاؤل كان متأثراً بالمثرائية التي كان من شعائرها التضحية بالعجل المقدس، ولهذا كان المسيحيون الأوائل يقيمون وليمة تذكارية في عيد الفصح قوامها الخبز والخمر يرمزان إلى جسد ودم المسيح، وهي التي تعرف بعقيدة الاستحالة أ أي استحالة الخبز والخمر إلى جسد ودم المسيح، فليس لأحد من أتباع الكنيسة أن يسأل أو يشكك في ذلك السر، وإلا عوقب بالحرمان والطرد من الملكوت، وكانت هذه العقيدة العجيبة من الثغرات الواسعة التي دخل منها النقد المرير للكنيسة، وسبب كثيراً من الإنشقاقات الدينية، والسخرية الشديدة التي انهال بها على الكنيسة النقاد العقليون من أمثال الفيلسوف الفرنسي فولتير.