فهرس الكتاب

الصفحة 4965 من 27364

البدعة الرابعة: عبادة الصور والتماثيل: وهذه أيضاً كانت من البصمات الظاهرة التي تركتها الوثنية على الديانة النصرانية، على الرغم من أن التماثيل تعتبر من الأعمال المحرمة في شريعة التوراة، ولم يقف الحد عند كونها مظهراً من مظاهر المخالفة لشريعتهم، بل تعدى ذلك إلى أن صارت التماثيل والصور آثار مقدسة، ومعبودات يسجد الناس لها، ويوقدون لها الشموع، ويحرقون البخور، وينثرون فوقها الزهور التماساً لبركاتها، ورجاء تأثيرها الخفي، وكان للفتوحات الإسلامية التي امتدت حتى شملت معظم المعمورة أثرها في أن يعيد كثير من شعوب الدول النصرانية نظرتهم إلى ما أصاب دينهم من لوثات الوثنية، حيث اطلعوا على عقيدة التوحيد الخالص في دين الإسلام، فأحسوا بسخافة معتقداتهم، وضحالة تفكيرهم، ففتحوا أعينهم على تلك الحضارة الغازية الشامخة الناصعة، فقامت في الغرب حركات معادية لبدعة التماثيل والصور، وطالبت بإزالة تلك الوصمة الشنيعة التي كشفت الدين الذي ينتسبون إليه، وأظهرت ما فيه من النقص والعيوب والتشويه الذي يخجلهم أمام المسلمين، لكن الكنيسة رفضت ذلك، وظل الصراع بين المنادين بتحطيم التماثيل والصور وبين الكنيسة المعاندة، وعقد مجمع نيقية الثاني عام 787م وحضره 350 أسقفاً، وقرروا جميعاً بقاء الثماثيل والصور، بل ألزموا الناس بالإغراق في ذلك بوضع التماثيل والصور كذلك في البيوت والطرقات، لبقاء أثر المسيح وأمه والرسل وسائر القديسين في نفوسنا، وبذلك انتصرت الكنيسة الوثنية على حركات الإصلاح، ثم عادت الحركة المناهضة لعبادة الصور والتماثيل للظهور مرة أخرى بعد ثلاثة قرون، وذلك حينما اتصل الغرب الوثني بالشرق المسلم إبان الحروب الصليبية، وكان البروتستانت هم الذين يتولون الحركة الإصلاحية في هذا الجانب، بينما ظل الكاثوليك على تقديسها ولعن محطميها، وبلغ الهوس بهؤلاء المفتونين بصور المسيح - عليه السلام - وأمه أن قامت إحدى شركات السينما في السويد بإنتاج فيلم عن"حياة المسيح الجنسية"، في ابتذال وامتهان لم يحرك في الدول الغربية ساكناً، بينما احتجت بعض المنظمات الإسلامية، وطالبت بإيقاف عرض الفيلم، ولم يقتصر الأمر على المسيح وأمه بل إن الكنيسة تجرأت على الباري - جل شأنه - وصورته كما تصور المخلوقين - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً -، معلنين أنهم لا يمكنهم أن يفهموا الله إلا عن طريق تصوره بالصورة البشرية، كما يقرر ذلك أحد علماء الكنيسة.

ويتابع المؤلف عرض البدع التي استحدثت في النصرانية؛ فيذكر منها المعجزات والخرافات، فكان من الطبيعي لدين مركب من تعاليم المسيح، وكم هائل من المعتقدات الوثنية؛ أن يجد صعوبة في الإقناع العقلي، والبرهان المنطقي، فذهب يعوض هذا النقص بادعاء الخوارق التي هي في حقيقتها أوهام وأخلاط، بقصد التمويه على العقول الضعيفة، والنفوس الساذجة، وساعد الإرث الوثني على تقبل جماهير الناس المتعلقة بالكنيسة بهذه السخافات، واتسع نطاق تلك الأوهام حتى أصبحت مكانة رجل الدين وقداسته مرهونة بما يظهر على يديه من الخوارق، وما يتعاطى من الشعوذات، وما يأتي به من ألاعيب تجهل العقول الساذجة علته الحقيقية، مدعياً أن ذلك هبة من الروح القدس له، ويسجل لنا التاريخ أمر"الساعة"التي أهداها هارون الرشيد إلى الإمبراطور ( شارلمان ) ، فأصابه الفزع هو وحاشيته ظانين أن بها جناً يحركها، فكيف بعامة الشعب من الفلاحين والرعاة؟!.

وكان لهذه الخرافات جذور عميقة في نفوس أتباع الكنيسة، ولهذا كانوا يتعلقون بالقساوسة، ويعتقدون فيهم قدرات خارقة في صد العواصف، وإنزال المطر، وكانوا ينزلون بهم أشد النكال إذا فشلت تراتيلهم في تحقيق آمال الناس، فكم من قديس أهانوه وضربوه، ونزعوا أجنحته الذهبية، وركبوا له أجنحة ورقية إهانة له على فشله، كما كانت صيحاتهم الغاضبة تعلو في الساحات الكبرى حيث يأتون بهؤلاء القديسين الكذبة، ويقيدونهم عراة، ويهتفون بهم: المطر أو حبل المشنقة.

وأشار المؤلف إلى عدد من تلك الخرافات التي كانوا يشيعونها في الناس، فذكر خرافة"تجلي العذراء"التي يثيرونها بين الحين والحين، وذكر أيضاً خرافة الرقم (13) ، ويبين أن أصله أن يهوذا الذي دل على المسيح هو التلميذ الثالث عشر للمسيح، فكان ذلك مصدر شؤم للكنيسة وأتباعها.

ومن البدع المستحدثة في الديانة النصرانية بدعة: صكوك الغفران، وهي الصكوك التي كان القساوسة يمنحونها لأتباع الكنيسة ليتطهروا من الخطايا، ضامنين لهم المغفرة، مطلقين لهم العنان ليفعلوا ما شاءوا من المعاصي، طالما اشتروا هذا الصك، أما البؤساء ممن لا يملكون المال لشراء هذا الوهم فيظلون محرومين من هذه الموهبة مهما بلغ تقواهم وحبهم للمسيح، وتعلقهم بالعذراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت