فهرس الكتاب

الصفحة 4993 من 27364

والحملات الصحفية المكثفة للتشهير بأعداء النظرية، وتحيز الصحف لداروين ضد الكنيسة، فكان من الطبيعي حيال هذه الظروف أن عمت موجة طاغية من الإلحاد في المجتمعات الغربية، ثم انتقلت منها فيما بعد إلى بقاع العالم الآخر.

وها هو الفيلسوف اليهودي"نيتشه"يقوم بنعي الإيمان بالله فيقول: إن الإله قد مات، وإن الإنسان الأعلى"سوبرمان"ينبغي أن يحل محله، ومن هنا قرنته البروتوكولات بداروين وماركس، وعلى خطاهم جاء في القرن العشرين جوليان هكسلي، الذي ألف كتابه (الإنسان في العالم الحديث) ، وزعم فيه أن الإنسان اختلق فكرة الله إبان عصور عجزه وجهله، أما الآن فقد تعلم وسيطر على الطبيعة بنفسه، فلم يعد بحاجة إليه، فهو العابد والمعبود في آن واحد.

وكان من آثار الداروينية نفي فكرة الغاية والقصد، فقد تولد من التأثر بنظرية التطور فكرة المصادفة، وكان من المدهش أن يوجد ممن يسمون علماء من يعتقد أن الكون بدقته المذهلة وعظمته الهائلة وجد صدفة واعتباطاً (( ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) ).

وكان من آثار تلك الموجة العاتية من الإلحاد أن تزعزعت قيمة الحياة في نظر الناس، واستبد بالكثيرين شعور يائس قانط، وسيطر الإحساس بالضياع، وترك هذا الشعور آثاره على الأدب الأوروبي في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى بصفة خاصة.

وكان من آثارها أيضاً ذلك الإيحاء القوي بحيوانية الإنسان، وفقدانه الشعور بكرامته ومركزه في الوجود، كما كان من آثارها الإيحاء بمادية الإنسان أي خضوعه للقوانين المادية فحسب، وهي الإيحاءات التي استمد منها أساطين النظرية الشيوعية أصولهم كاليهودي كارل ماركس الذي استمد من حيوانية الإنسان ما نادى به من مطالب الإنسان الرئيسية وهي (الغذاء والسكن والجنس) ، ثم جاء اليهودي دور كايم الذي جمع بين حيوانية الإنسان وماديته بنظرية العقل الجمعي، الذي تقول: إن الإنسان حيوان خاضع"لجبرية اجتماعية"، ثم جاء فرويد بنظرية التحليل النفسي، حيث استمد من حيوانية الإنسان من الولادة حتى الوفاة تفسيراً حيوانياً بشعاً، فهو يرى أن الدافع الجنسي هو دافعه الوحيد، فالمولود يرضع ثدي أمه بدافع جنسي، ويتبرز بدافع جنسي، ويظل يتعامل مع الآخرين بناء على هذا الدافع وحده. بل الدين والأخلاق والمثل العليا كلها نابعة من هذا الدافع.

وكان من آثار الداروينية كذلك شيوع فكرة التطور الحتمي المطلق في أوربا، وحسب الناس أن كل تغير وإن كان انتكاسة وانحطاطاً تطوراً مطلقاً، ونجد أن الشيوعية استمدت تفسيرها المادي للتاريخ من فكرة التطور الحتمي، وأن التطور في المجتمع الإنساني يستلزم تطور الإنسان في نظرته للدين، وتولى علماء الاجتماع والنفس والأخلاق وسائر ميادين المعرفة الإنسانية التركيز على قضية واحدة هي أن الدين مر بمراحل انتهت بفعل التطور - إلى نفي فكرة الدين من أساسها.

الباب الثالث: العلمانية في الحياة الأوربية

علمانية الحكم: على الرغم من إقصاء الشريعة المسيحية عن واقع الحياة، فقد كان لها بعض التأثير في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكذلك في جوانب من السلوك الشخصي للحكام المسيحيين، وكان للكنيسة آراؤها السياسية مع أنها لم تكن تعبر عن أحكام الدين كما أنزل من عند الله، بل كانت نظريتها أشبه بالنظريات الخيالية التي تتحدث عن مدن فاضلة وهمية، كجمهورية أفلاطون، وهي نظريات لا تجعل الدين هو المنهج الذي تقوم عليه الحياة، والأساس الذي تنبثق منه التصورات والقيم، بل إن الانسجام العقلي والمصلحة الدنيوية المجردة كافية لإقامة المجتمع الفاضل في نظر أصحاب هذه النظريات.

ومن هذه النظريات نظرية العقد الاجتماعي، وأصلها فلسفة"أرسطو"التي تقول إن الإنسان حيوان اجتماعي وكان"هوبز"يرى أن الإنسان متوحش على أخيه الإنسان بطبعه، فاحتاج الناس إلى ترويض هذه الطبيعة بعقد اجتماعي ملزم، يضمن سلامة الجميع، وهذا العقد هو الدولة أو الحكومة، ثم توالت الإضافات والتعديلات على هذه النظرية على يد"جون لوك"، ومن بعده"جان جاك روسو"ثم أوحت هذه النظرية بفكرة"الوطنية أو القومية".

وكان من هذه النظريات كذلك نظرية الحق الإلهي التي كانت سائدة قبل الإسلام، وخلاصتها أن الملوك كانوا يستعبدون الناس زاعمين أن لهم سلامة عرقية خاصة أسمى من العنصر البشري، وغلا بعض الطواغيت فادعى أنه إله، أو من نسل الآلهة كما فعل أباطرة الروم، فلما جاء الإسلام نسف هذه الفكرة، ورد العبودية كلها لله وحده، وظهر فلاسفة يؤيدون نظرية الحق الإلهي، أمثال"هوبز"وجروتس.

وفي القرن التاسع عشر تطورت هذه الفكرة على يد هيجل الذي وصل بين العقائد المسيحية وبين النظريات الفلسفية المجردة، فتحول الدين على أيديهم إلى فكر ومنطق، فتحول"الله"إلى مطلق، والوحي إلى معرفة مطلقة، والمسيح إلى توسط، والشريعة إلى قانون مجرد، ولعل هذه النظريات ساعدت على تكريس الطغيان، واستمرار إذلال الشعوب بمنح الحكام تلك الصفة التي شجعتهم على التسلط والظلم بدعوى أن الدين يحبذ الطغيان.

النظريات الحديثة والمعاصرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت