فهرس الكتاب

الصفحة 4994 من 27364

رأى هؤلاء العلميين الجاهلين أن الدين هو العدو اللدود للباحثين، وحصروا مفهومه في أنه عاطفة وجدانية أو روحية تصل قلب الإنسان في فترات من حياته بالسماء ولا ينبغي إقحام الدين فيما لا علاقة له به وهو واقع الحياة اليومية.

فعلى الرغم من كثرة النظريات السياسية، كان الكتاب السياسيون يشعرون بأزمة وهم يحاولون معرفة القانون الأمثل الذي يجب أن يحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

وكان الكتاب قد تخلصوا من"أحلام الرومانتيكية"واتجهوا إلى"الواقعية".

ووجد علم السياسة بغيته المنشودة في"نيقولا ميكافيللي"صاحب كتاب الأمير، الذي يعد مصدر الإلهام للحكام والمفكرين السياسيين.

كانت هذه النظرية تقوم على ثلاثة أسس متلازمة مستمدة من تصور لاديني صرف هي:

* الاعتقاد بأن الإنسان شرير بطبعه، وأن رغبته في الخير مصطنعة يفتعلها لتحقيق غرض نفعي بحت - فمن الطبيعي أن ينساق بلا حرج ولا لوم وراءها [1] .

* الفصل التام بين السياسة وبين الدين والأخلاق.

* إن الغاية تبرر الوسيلة: وهذه هي القاعدة التي وضعها ميكافيللي بديلاً عن القواعد الدينية والأخلاقية.

* وكان ميكافيللي يرى أن الدولة غاية بذاتها وأن القبض على زمام الأمور هدف برأسه، وللوصول إلى ذلك الهدف لا مانع عنده من سلوك أي سبيل وإن تنافى مع كل القيم الدينية والأخلاقية.

* وعارضت الكنيسة بشدة تلك النظرية بسبب نزعتها اللاأخلاقية الجامحة، وحرمت قراءة كتاب الأمير، وظلت كلمة ميكافيللي وصفاً شنيعاً يطلق على المتحللين من الخلق والدين.

كانت السياسة قد ارتبطت بالاقتصاد ارتباطاً قوياً، فازدادت بعداً عن الدين، وشهدت الحياة الأوروبية انهيار الإقطاع وقيام الرأسمالية.

كان نظام الإقطاع يمثل صورة بشعة لإهدار كرامة الإنسان الذي كان مستعبَداً لسلطتين غاشمتين سلطة السادة الإقطاعيين وسلطة رجال الكنيسة.

وحل سلطان الحكومة محل سلطان الملوك، وسادت إرادة الشعب، وتلاشى ما كان يعرف بالحق الإلهي أمام ثورة الديمقراطية.

ومع ظهور الآلات ازدادت البطالة، وتعالت الصيحات من جديد ترفض هذا الواقع الفردي وتطالب بأنظمة جماعية ديمقراطية، وظهر بقوة صوت الاشتراكيين الأوائل، ومال إليهم طوائف من المثقفين والعمال والفلاحين وشكلوا جبهة مضادة للرأسماليين العتاة.

يقول المؤلف: وفي معمعة الصراع بين أنصار الديمقراطية الرأسمالية الفردية ودعاة الديمقراطية الاشتراكية الجماعية ولدت نظرية التطور التي غيرت مجرى الفكر الغربي بأجمعه، فأبعدت المسيحية الرسمية، وأفسحت المجال لإبعاد الدين عامة بصفة نهائية من التأثير في أي منحى من مناحي الحياة.

نظرة إلى الواقع المعاصر:

الواقع السياسي في أوربا واقع جاهلي لا يؤمن بالله - تعالى - ولا يحتكم إلى شريعته، ولهذا فإن سنن الله تؤكد أن هذه المجتمعات تنحدر إلى الهاوية، وتنتظرها كوارث مروعة.

ثم يعرض المؤلف الوجه الآخر لتلك الجاهلية المعاصرة كما يراه المفكرن السياسيون في الغرب.

ينظر الناس في الغرب إلى الديمقراطية على أنها منطقة مقدسة لا ينبغي أن تكون موضع نقاش، وذلك لأن البديل لها عندهم ليس سوى الدكتاتورية البغيضة.

وعلى الرغم من تمسكهم بالديمقراطية إلا أن الكتاب الديمقراطيين قد وجهوا لها عدة انتقادات، أولها:

1-ميوعة هذا الاصطلاح وصعوبة تحديده بدقة علمية: فبينما كانت الديمقراطية تعني حكم الأغلبية وتعني الحرية الشخصية، فقد أصبحت تعني أهداف الحزب السياسي الذي يمثل مصلحة الفقراء على أساس أن الفقراء هم الأغلبية، ثم أصبحت تمثل أهداف زعماء الحزب كما يقول أرنولد توينبي.

2 الأحزاب المتشاحنة التي لا تعبر عن إرادة الأمة: بين المؤلف أن الدول الديمقراطية يوجد بها نوعان من الأنظمة: نظام الحزبين كما في بريطانيا (المحافظين والعمال) ، ونظام المجموعة كما في فرنسا وألمانيا، ثم أورد شرحاً ل"هارولد لاسكي"عن عيوب كل من هذين النظامين، فبين أن من عيوب الأول أنه لا يتلاءم مع انقسام الرأي بصورة فاعلة، وأن من عيوب الثاني اعتماد أسلوب المناورات أكثر من تحمل المسئولية، كما أنه يميل إلى تجميع السلطة حول الأشخاص أكثر من تجميعها حول المبادئ.

3 إيجاد طبقة ثرية مسيطرة"دكتاتورية"وهو عيب خطير ملازم للأنظمة الديمقراطية الغربية، فالدافع الوحيد والمحرك الرئيسي للعمل السياسي هو المصالح المادية، ولهذا استطاعت امبراطوريات المال في هذه الدول التحكم في السياسة الخارجية والداخلية مباشرة أو بطريق الضغط على السلطة الحاكمة، كما أنه يكون بإمكانها رعاية مصالحها وتحقيق أغراضها النفعية الخاصة.

4 تزييف وتطويع الرأي العام، وهذا العيب مرتبط بالعيب الذي قبله في بيان سيطرة الطبقة الثرية على وسائل الإعلام، وتمكنها من خلالها من تشكيل الرأي العام.

5 الفتور في تجاوب المواطنين مع العملية الانتخابية وبيان أن متوسط نسبة الناخبين الفعليين في الولايات المتحدة على سبيل المثال حوالي 60%، وهي نسبة لا تشير إلى رأي كامل الشعب، فيكون الحزب أو الفرد الفائز قد حصل على أغلبية أصوات المشتركين في الاقتراع لا على أغلبية الشعب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت