عرف آدم سميث بأنه فيلسوف الاستعمار وكاهن الرأسمالية وأبو الاقتصاد العصري، كما عدّ كتابه (ثروة الأمم) أهم المؤلفات الاقتصادية في زمنه وأبعدها أثرا، ويشرح ذلك روبرت داونز فيقول: إن نظرية سميث في كتابه المذكور نظرية ذات نزعة ميكافيللية، وهي أن العامل الأول في نشاط الإنسان هو الأنانية والمصلحة الشخصية، ومن مظاهر تلك المصلحة العمل على جمع الثروة، بل إن سميث يرى أنها صفات محمودة لا مرذولة، والغريب أن كتابه هذا قد حظي بشهرة واسعة على الرغم مما يتضمنه من روح غير أخلاقية تتمثل في مراعاة مصالح الرأسماليين وتشجيعهم على الجشع والقسوة، والإعراض عن معاناة الجموع الغفيرة من العمال والفلاحين، ولم يقتصر سميث وكتابه على إنجلترا ولا أوربا وحدها بل كان كتابه المذكور (إنجيلاً) للمستعمرين الذين انقضوا على بلدان العالم الضعيفة ينهبون خيراتها ويستعبدون شعوبها.
على أن سميث لم يسلم من معارضة بعض ذوي الميول الدينية أو الإنسانية، فقد قال عنه (رسكن) : إنه الإسكتلندي الغبي الهجين الذي يدعو الناس عمداً إلى التجديف في الدين بقوله: عليك أن تكره الرب إلهك، وتعصي وصاياه، وتشتهي مال قريبك.
مالتس (1834) :
كان مالتس صورة مبالغ فيها من سميث، فقد كان أسوأ منه، حيث دافع عن نظرية سميث، ووقف بحدة أمام نظرية متفائلة ظهرت في القرن الثامن عشر تتلخص في أن الطبيعة قد وفرت للإنسان لوازم السعادة، فما على الإنسان إلا أن يحسن توزيعها، فرد على أصحاب تلك النظرية المتفائلة بنظريته الشاذة التي اشتهرت فيما بعد، وخلاصتها أن تزايد السكان يحصل وفق متوالية هندسية (2- 4 8 16 32 -..) ، وأما الموارد الغذائية في العالم فتنمو وفق متوالية عددية (2 4 6 8 10 -) ، وعليه فإن الموارد لن تكون كافية للسكان بعد زمن، ولابد من حصول مجاعات تقضي على نسبة كبيرة من سكان البسيطة.
ولم يكتف مالتس بتأييده لنظرية سميث، بل زاد عليها بأن اعترض على قوانين الفقراء في إنجلترا، ورفض بشدة أي رحمة لهذه الطبقة المعدمة غير المنتجة، ومنع كل صور الإحسان أو الإعانات إلى تلك الأسر العاجزة عن تدبير وسائل معيشتها.
وبين المؤلف أن مثل هذا الجنوح اللا أخلاقي في نظريتي سميث ومالتس يشير إلى أن الفكر الأوروبي يميل إلى اعتناق مثل تلك النظريات الشاذة والأفكار اللا أخلاقية المتطرفة، على الرغم من وفرة الأفكار الأقرب إلى الاعتدال والموضوعية، وألمح إلى أن تلك الظاهرة قد تبدت لنا عند الكلام على الميكافيللية والماركسية والفرويدية، وأن ذلك يعود إلى مرض متأصل في النفسية الجاهلية أكثر من كونه نتيجة طبيعية للأوضاع الفكرية والاجتماعية غير الطبيعية.
ريكاردو:
يرى ريكاردو"اليهودي"أن مسئولية التفاوت الاجتماعي والأزمات الاقتصادية تنصب على ما أسماه"الريع"وليس على"الربح"
والريع هو المكسب الذي يحصل عليه مالك الأرض، أما الربح فهو مكسب الصناعي الرأسمالي، ويعلل ذلك معتمداً على نظرية سميث في إعطاء القيمة للعمل، بأن الريع ليس ثمناً للعمل، ولكنه ناتج عن امتلاك مورد طبيعي للثروة.
ويرى أن ملاك الأرض إذا تقاضوا أثماناً عالية لوسائل العيش فهم لا يستغلون العامل، ولكنهم يستغلون صاحب العمل الذي يضطر إلى أداء أجور عالية لعماله، بينما هو لا يستطيع أن يرفع من أثمان منتجاته لأنها تتحدد في سوق قوامها التنافس.
وكان من ثمرات نظريته أن أقنع الرأسماليون الحكومة الإنجليزية بإلغاء قوانين الغلال فأفسحت المجال لاستيرادها من الخارج، فهبطت أرباح الملاك الزراعيين، وانخفضت تكاليف الصناعة، فخفض الرأسماليون أجور العمال، ثم تمادى ريكاردو فطالب بتأميم الأراضي وفرض الضرائب الباهظة عليها.
الأثر العام للمذهب الكلاسيكي:
كانت المنفعة المادية وتحقيق أكبر ربح بأية وسيلة هي هدف المذهب الكلاسيكي وقانونه فقد جرد الاقتصاد من أي مؤثر أو صبغة دينية أو أخلاقية، فأنتج هذا المذهب مشكلتين خطرتين:
الأولى: قيام اقتصاد عالمي يجعل الربا والاحتكار عموده الفقري.
والثانية: تعريض الشعوب التي طبق عليها المذهب للجوع والبطالة والأزمات الخانقة، وقد صور الروائيون من الإنجليز ما كان عليه حال العمال من النساء والأطفال، وما كان عليه حال الملاجئ والفقراء - ولم تكن أمريكا بأحسن حالا من بريطانيا - ولم تدم للرأسماليين فرحتهم بهذا الاستغلال البشع للعمال الكادحين، فقد أضرمت هذه المعاهدة النار في القلوب وأججت ضدهم نار العداوة، فانبعثت الشرارة للفكر الاقتصادي الماركسي.
3 -المذهب الاقتصادي الشيوعي: بينما بالغ الرأسماليون في تطبيق المذهب الفردي تطرف الفكر الشيوعي في تطبيق المذهب الجماعي الذي لا يقيم للفرد وزنا إلا من جهة كونه مسمارا في الآلة الاجتماعية، وفي الحقيقة فإن الفكر الجماعي له جذوره القديمة التي تصل إلى أفلاطون في جمهوريته المشهورة.