قد يبدو أن هذه الطرائق الفوقية المتعالية في تناول الثقافة المحلية بنظرة دونية كانت تسود آليات العقل الغربي في القرون الماضية فقط بسبب الانتشاء الذي تسبب به عصر الاستعمار، بيد أن تفحص بعض الأدبيات الغربية المعاصرة المتخصصة يؤكد أن هذه الآلية في التفكير، وهي آلية ترنو إلى نسف الثقافة المحلية للأمم المستضعفة وإلى إلغاء دورها في تنمية وتطوير هوية ثقافية قومية ترتكن إلى إرث ثقافي يستحق، لم تزل فاعلة حتى يومنا هذا. إنها آلية قابعة في قعر العقل الغربي، تظهر للعيان في حالات معينة وفي مناسبات جدلية استفزازية. إننا إذا ما تمكنا من استنباط مثل هذه الأفكار في الثقافة الغربية المعاصرة، نكون قد نجحنا في التيقن من افتراضاتنا أولًا، ومن استمرارية طرائق التفكير الاستعماري المتعالي نحو ثقافتنا ثانيًا، باعتبارها طرائق تفكير نجحت في اجتياز اختبار الزمن.
يقدم الأستاذ برنارد لويس (جامعة برنستون - الولايات المتحدة الأمريكية) في كتابه المهم (التاريخ: مستذكرًا، مستعادًا، مخترعًا) ، البينة والتبرير المعاصر على تواصل أنماط التفكير الغربي الاستعلائي في تناول الثقافات الشرقية، والثقافة العربية بضمنها بطبيعة الحال. إنه لا يكتفي بمحاولة تسفيه التراث والتاريخ المحلي للأمم المغلوبة في آسيا وإفريقيا فحسب، بل أنه يتمادى إلى حد الادعاء بأن هذه الأمم لا تمتلك ثقافات قومية ذات ملامح وأصول راكزة تؤهلها لامتلاك هوية قومية. تبدأ منظومة لويس الجدلية من الإعلان بأن الإغريق القدماء هم الذين قسموا العالم إلى أوروبا من ناحية، وآسيا وإفريقيا من الناحية المقابلة (جدل: شرق - غرب) . أي أن الإغريق القدماء (الأوربيين، الآريين) هم الذين أطلقوا على الأمم الشرقية الأسماء التي تُعرف بها الآن. وحيث يقود هذا الرأي لويس إلى الاعتقاد بأن هذه التسميات (أو الهبات الأوروبية) تدل على عدم امتلاك الأمم الآسيوية والإفريقية لأي وعي بوجودها أو تفردها، فإنه يذهب إلى الاعتقاد بأن هذه الأصقاع (المسماة آسيا وإفريقيا) لا تمتلك هويات ثقافية محددة كما هي عليه الحال بالنسبة إلى الثقافة الأوروبية. يقول لويس: «من بين القارات الثلاث، أوروبا فقط مثلت نوعًا من كيان تاريخي. وهو كيان ذو ثقافة مشتركة مستقاة من جذور إغريقية-رومانية ويهودية- نصرانية؛ وهو كيان ذو شعور مشترك بهوية متفردة تختلف عن بقية العالم» .
يستأنف برنارد لويس جدله هذا موحيًا بأن أوروبا، ذات الهوية الثقافية الحقيقية، هي الكيان الصغير الذي يمتلك عقلًا، وأن آسيا وإفريقيا هما الكيانان الكبيران جغرافيًا واللذان لا يمتلكان ثقافة تخصهما. لذا فإنه يكتب، متعسفًا بالحقيقة التاريخية، قائلًا: «في القارات الشاسعة التي أطلق الأوروبيون عليها اسمي آسيا وإفريقيا، لم ولن يظهر إحساس بالهوية، إحساس يمكن مقارنته بالإحساس الأوروبي بالهوية» . وتأسيسًا على هذا الجدل المنبعث من أن الآسيويين والأفارقة اكتسبوا هذه التسميات كهبة من الأوروبيين، وهو الجدل الذي يؤول إلى أن هؤلاء لا يمتلكون جذورًا ثقافية محددة، فإن الطريق تصبح سالكة لتبرير وتمرير الغزو الثقافي الذي تفرضه الثقافة الغربية بجميع إفرازاتها العلمية والتقنية والاجتماعية والاقتصادية. لاحظ أن لويس يخلص إلى أنه «في العصر الحديث فقط، تمكن التأثير الأوروبي وتمكنت القوة الأوروبية، وأخيرًا البحث العلمي الأوربي من إقناع سكان آسيا وإفريقيا بأنهم آسيويون، وإفريقيون، وبأن هذه حقيقة تنطوي على دلالات سياسية وتاريخية» .