فهرس الكتاب

الصفحة 508 من 27364

تفضي هذه المقاربة بين بعض افتراضات الثقافة العربية المعاصرة التي نستظل بها من ناحية، وأفكار بعض المثقفين الغربيين بعد عصر الاستعمار من الناحية الثانية، إلى وجود «غزو ثقافي» محسوس ومشخص من ناحية ثقافتنا، وهو غزو نصف مدبر ونصف تلقائي من ناحية ثقافتهم التي تحيا اليوم أوج تأثيرها بسبب التقدم التقني والمادي الذي أحرزته الأقطار الغربية خلال القرون الأخيرة. ولكن لا ينبغي التمادي في كيل الاتهامات جزافًا إلى الثقافة الغربية، ذلك أني أميل إلى الاعتقاد بأن تدبير الغزو الثقافي وتخطيطه هما حقيقة موجودة، ولكنها، من ناحية أخرى، ليست بهذه الدرجة من «التآمرية» التي قد يصورها لنا بعض الكتّاب الانفعاليين هنا. إن الغزو الثقافي الغربي اليوم يشبه إلى حد بعيد «الحركة الشعوبية» التي برزت بقوة إبان العصر الذهبي للحضارة العربية- الإسلامية. ولكن الشعوبية، برغم أساليبها ومثالبها وضغائنها، لم تتمكن من تسفيه ونسف أسس الثقافة العربية ومقومات تواصلها نتيجة لقوة هذه العناصر ولقدراتها التوليدية. ويحق ذات القول على الغزو الثقافي اليوم، إذ إن الثقافة العربية الإسلامية تمتلك من عناصر القوة ما يجعلها قادرة على البقاء، وعلى مواجهة الأزمات والهجمات. إن مسببات تشجيع الغزو الثقافي من قبل الغرب تركز بقوة على الأساليب الاستهلاكية والأنماط السلوكية التي يضخها الغرب سوية مع صادراته المادية الرئيسة. كما أنها تنطلق كذلك من عوامل الضعف في طرائق العناية بتراثنا الفكري، إضافة إلى إهمال الأساليب التربوية في توعية الشبيبة والنشء العربي بالجوانب المشرقة لثقافتنا على سبيل استلال الموجب منها بدلًا من السالب، والمستنير بدلًا من المستكين.

إن الشباب العربي والمسلم هو أكبر شرائح المجتمع تعرضًا لمعطيات الغزو الثقافي، مدبرًا كان أو تلقائيًا، وهذه نتيجة طبيعية لميل هذه الشريحة المهمة والكبيرة إلى الجديد والمبهرج، وهي صفات صحية لدى الشباب المتطلع والمتوثب، ولكنها بحاجة إلى توجيه وعناية حكيمة ورشيدة ومركزية. ولا ريب في أن هذه العناية لا ينبغي أن تأخذ شكل الوصاية على الشباب والنشء، لأن الوصاية والقسر قد يؤديان إلى التمرد. ينبغي لمؤسساتنا الثقافية والتربوية ألا تشعر الشبيبة بالضغط وبخنق الحرية في الاطلاع والانتقاء. كما ينبغي عليها كذلك ألا تتمادى كثيرًا في «فتح الأبواب» بلا ضوابط وبلا تنقية للنتاج الثقافي الغربي من الشوائب، إن بناء الشخصية الثقافية العربية المعاصرة يتطلب الكثير من الحماية وتقوية الإرادة القومية والروحية، وإلى الكثير من ترصين المناعة الأخلاقية والحصانة الفكرية والسلوكية لدى الشباب. هذه ضمانات تجعل الشبيبة قادرة على مواجهة الدخيل المستورد بعقل مفتوح ولكن غير راضخ وغير سلبي، وهي عوامل مهمة واسعة تتطلب العناية بمناهج التربية والتعليم والمعارف عبر العالم العربي في المراحل الدراسية المختلفة، كما تتطلب هذه المهمة الحساسة الاهتمام برصد قنوات الضخ الثقافي الغربي عبر وطننا العربي الكبير.

المصادر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت