فهرس الكتاب

الصفحة 5120 من 27364

ردي عليه صلاته وصيامه لا تقتليه بحق دين محمد

وهنا -ودون النظر إلى الأصل القصصي لهذا القول- يبدو وجود الحجاب التقليدي متشكلا بهيئة غير دينية؛ لأنه ينطوي على استفزازات جنسية اخترقت بنية الإيمان والصبر التي كان الناسك المتعبد متزودا بها، فتحول إلى جسد بيولوجي خالص غابت عنه روحانيته، لما أن أقبل عليه الموت الأبيض من وراء الحجاب الذي تجملت به المرأة العربية، إضافة إلى جمالها الطبيعي الذي اهتز له كيان المتعبد.

والحجاب العربي، أو اللباس التقليدي مختلف الأنماط والأشكال، وليس متوافقا بالضرورة مع الالتزام الديني من حيث التفاصيل، لا من حيث المبدأ، وهما متحدان في عدم التكشف الجنسي، وقد يكون متوافقا مع المواصفات الشرعية.

ومثال الحجاب التقليدي ما هو معروف في تونس بالسَّفْساري (بفتح السين الأولى المشددة وبسكون الفاء) وهو حجاب إسلامي لا يزال موجودا في كافة أنحاء الجمهورية، والسفساري التونسي مختلف عن اللباس التقليدي الذي ترتديه المرأة في مصر صعيدية كانت أو قبطية، وما تلبسه المرأة اللبنانية أو السورية من حجاب تقليدي مسلمة كانت أو مسيحية يختلف بالضرورة الحضارية عن زي المرأة السودانية.

والجامع بين هذه الملبوسات بتقاصياتها الجغرافية، هو اشتراكها في دلالة الحجاب بمعنى الاحتجاب عن البدو الجنساني، وميزة هذه الألبسة كونها تستعمل من قبل المرأة العربية مسلمة ومسيحية.

إن مسألة الحجاب قضية عربية يشترك في الدفاع عنها العرب جميعا مسلمون ومسيحيون. فهو لباس وطني لا علاقة له بالتطرف والمتطرفين كما قرأت في بعض الصحف الصفراء (مثل روز اليوسف المصرية) التي أرادت أن تدافع عن شيخ الأزهر وعن سياسات مصر، فأساءت إليه وإليها وإلى الدول العربية، وذلك حين أوردت أمثلة عن مساحات للحرية الدينية كائنة في فرنسا وفي أمريكا، ومفقودة في العالم العربي، وأما تبني المتطرفين لقضية وطنية ما، فلا يعني أننا يجب أن ندين تلك القضية، فإذا ما دافعوا عن سيادة مصر، أو عن القضية الفلسطينية مثلا، فهل يجب أن نتموقع في جانب العدوان على مصر، أو في جانب الصهيونية من أجل الاختلاف مع المتطرفين؟ إن مثل هذه الاعتراضات (روز اليوسف/ المثال) تكشف عن ضمور العقل العربي، وضيق الآفاق الفكرية لدى جملة من المثقفين الانتفاعيين.

3 -الحجاب الاجتماعي:

هو ما يلبس لغرض إيتيكي (أخلاقي) خالص، حفاظا على الأخلاق، وحدود اللياقة والانضباط داخل المجال الأسري، ولا ينطلق من منظور التدين والالتزام الشرعي، وإنما يراد منه عدم اندماج البنت أو الزوجة في حركة الستريبتيز الاجتماعية، أعني عدم الانخراط في جوقة الانكشاف والتعري، وعرض الصدور والظهور، والسرر (أو الأسرة) التي صارت حالة من الانفصام العربي بعد أن أغرقت مجتمعات الحداثة في مستنقع المتاع البيولوجي، وإغراءات الجسد الداثر بطبيعته الوجودية ذاتها التي تتقدم به نحو العدم والتناهي.

وهذا النوع من التحجب الاجتماعي، ينطلق من تأمل فلسفي، لكونه يقيم وزنا لمعنى النزعة الإنسانية المتأصلة في كينونة الإنسان، والشخص البشري كائن أخلاقي كما هو مسجل في الذاكرة الوجودية، والحياة العائلية ذات المبادئ والقيم الأخلاقية العالية تتفلت من طبائع التسيب الجسدي في المحيط الاجتماعي، وتمتنع عن إسقاط الحواجز بين عناصر البنية الأسرية.

وقد سجلت الإحصاءات الفرنسية أن 40% من حالات الاغتصاب الطفولي تتم داخل الفضاءات العائلية التي صارت إلى الفوضى، بعد أن كانت توفر ملاذا نفسانيا يؤمن من الانحرافات التي تصنعها النزعات والنزوعات المجتمعية.

4 -الحجاب الموضة:

يتخذ الحجاب في أزمان التقليعات التي تفصَّل طبقا لمنظورات أيديولوجية، جنسية، حضارية أو عشوائية موقعا ثقافيا بين أنماط الطرز والموضات العالمية؛ فهو لباس يساير الأصالة، ويواكب مظاهر الحداثة في آن واحد؛ أي إنه من حيث البدو والرسم وعدم التشكل الجسدي، يتجاوب مع المقتضيات والأعراف الاجتماعية، وقد يتلاءم جزئيا أو كليا مع الملبوس الشرعي، ويتساوق هذا الحجاب (الموضة) من الناحية الحضارية مع حركة المرأة المعاصرة، ولا يتخلف عن الاستخدامات المعروفة في عالم الجمال والزينة وحلاقة السيدات.

ولعل هذا الكساء الجديد، يعبر بشكل حداثي عن نظام اللباس التقليدي سابق الذكر، وهو لكونه يوجد بكثافة في دول الخليج بعد أن خالطتها المعاصرة، لم تشأ امرأة الخليج العربية أن تغادر أنماط عيشها القديم، وأبت تفويت أمتعة الحداثة، وقد تواردت عليها مباشرة من دنيا الإبداع ومن مختلف مصادر الابتكار في العالم، وهي التي تتوق إليها النفوس، وتهفو إليها الأفئدة الحالمة.

5 -الحجاب الرمز السياسي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت