فهرس الكتاب

الصفحة 5121 من 27364

الرمزية هنا، بما أنها من فعل بعض الحركات السياسية، لم تعد مصدر تأويل، وإنما صارت محط حسم. فالمنظمات الدينية تطلب التمايز على مستوى الظهور الاجتماعي والحضور الثقافي، حسب نظرية الحسم هذه. أي إنها تهدف إلى السيطرة على الواقع من خلال تغليب الالتزام الحزبي على طبيعة الحياة الاجتماعية. وذلك من خلال الارتداء الخاص للحجاب الذي ينتظم على الكتفين بشكل تصنيفي لافت. ونحن لا ندري إن كان هذا النموذج الحزبي هو ما أزعج السلطات الفرنسية، أم كل ما تختلف هيئته عن نمط اللباس الغربي؟ ولا شك أن إطلاق مسمى الحجاب على انتماءات متطرفة لا موضوعية، هو تغريب للمسمى عن مداره الدلالي، وترحيل له إلى محيط لا يعبر عن ذاتيته المحضة.

فالحجاب يحمل معقوليته ومنطقيته من الأسباب الثقافية والاجتماعية والتاريخية والدينية التي ذكرت. وإدانته على طريقة شيراك الذي جعل يد فاطمة (الجاهلية) رمزا إسلاميا، هي جهل بالطبائع الوطنية والقومية العربية، وجهل بالمفاهيم الدينية بمضمونها الحضاري. إن سلوك شيراك الغريب، يندرج ضمن الهجمات الأيديولوجية التي لا تتوقف عن تكثيف المنطق العنصري، وتعبئة الرأي العام ضد 5 ملايين من الجنس غير الأوروبي. وقد حظي شيراك نتيجة لهذا التحريض برضا المنظمات اليهودية في فرنسا التي أعلنت بعد يوم واحد من قراره (18 ديسمبر 2003) عن ضرورة قبول الأمر الواقع، وهي القوانين العنصرية التي لا تمس اليهود. واليهود محميون بقانون 1990 الذي كفله لهم الشيوعيون والاشتراكيون (قانون فابيوس غيسو) الذي يتعقب كل تعريض باليهود وجودا وتاريخا ودينا وسلوكا؛ لأن ممارسات اليهود لا تكون إلا دفاعا عن النفس أو محاربة للإرهاب. فالمسألة محسومة بسابق الإصرار والترصد.

العلمانية وحقوق الإنسان المتعالي

صار اللعب سمة الإنسان المعاصر. فالأدباء يمارسون قراءة النصوص من خلال اللعب باللغة، والسياسيون يوجهون القوانين حسب الخلفيات والمصالح بصور انقلابية فاضحة. وكأن اللعب أضحى شيئا من بدائع الحضارة وفظاظتها كما يتوضح لدينا من ممارسات النظام ـ الأنظمة الفرنسية. فحينما اندلع أول إشكال حول الحجاب في منطقة كراي عام 1998 (27 نوفمبر) ، فإن مجلس الدولة أقر بأن الخمار في ذاته لا يتعارض مع مبادئ العلمانية. والتلاميذ يملكون حق التعبير عن انتماءاتهم. غير أن تصاعد وتيرة ارتداء الحجاب، بدا وكأنه إخفاق للعلمانية، وعجز عن الإقناع واحتواء الدين، ولأن سياسة الدولة خابت في تحقيق الاندماج بين مختلف الشرائح الاجتماعية والانتماءات الفكرية المشحونة بعبادة الذات، وعدم قبول المختلف، فإن حكومة جاك شيرك المقهورة سياسيا سعت، لا إلى الحوار والنقاش الحضاري الذي هو مبدأ ديمقراطي جمهوري، وإنما إلى اللجوء إلى العنف الشرعي. وهو استصدار قانون يحرم ارتداء الحجاب.

وطريقة المنع هي دائما دلالة على الإخفاق، ومعنى من معاني الهزيمة والخيبة وكسوف العقل العلماني. ذلك أن المنتصر هو من يخترق عقل الآخر وفكره، ويجتاز حواجزه الاعتقادية والمفهومية من خلال الإقناع بالمحاورة أو بالمناظرة. كما علمتنا ذلك الديمقراطية الفرنسية نفسها. لقد أصيبت العلمانية بالإرهاب، وبالرعب العدمي من المجهول الذي يمثله الحضور الذي صار قويا للآخر. وفي دلالة عملية على هذا القول، يذكر المراقبون أن فتاتين ارتدتا الحجاب (في أحد معاهد فيل نوف) عام 1995. وفي العام الموالي تضاعف العدد إلى عشرة. ثم تكثف الرقم بشكل تراتبي حتى صار عدد الفتيات 58 ضمن 1500 من التلاميذ رغم تدخل الأساتذة، والإدارة، والسلطات لمنع مسيرة الفتاتين المناضلتين بالصمت والصورة ضد الكل. فالعلمانية بكل أثقالها، وموازينها، ومكاييلها، لم تنجح في وقف مسار فتاتين اكتسحتا حضاريا مؤسسة محمية أيديولوجيا، ومحصنة فكريا بقوة الدولة. ورغم القلة العددية 58 بإزاء 1500 ورغم أن الفوارق في الديمقراطية تقاس بالآحاد (1%) فإن دولة حقوق الإنسان والحريات العامة تختار الطريقة البوليسية المقنعة بالرتوشات القانونية وهي المسلك السائد في الخارج لقمع الاختلاف الفكري أو السياسي، ومصادرة حرية التعبير، خاصة إذا علمنا أن عدد المتحجبات في فرنسا لا يتجاوز 1000 فتاة، وقد كان على جاك شيراك أن يحصن المدرسة اللائكية من السيدا ومن المخدرات، والمتاجرات الجنسية، وأوضاع البيدوفيليا التي تستهدف الذكور والإناث غير البالغين من قبل مدرسيهم أنفسهم، أو في محيطاتهم الأسرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت