في الواقع أن الحديث عن"عودة الدين"، ليس جديدا، فقد دفعت جملة من الأحداث العالمية في منتصف السبعينيات إلى الحديث عنه، وعلى وجه التحديد ألف جيل كيبل كتابه"يوم الله" (الطبعة العربية الأولى 1992) ورصد فيه ما سماه"التجدد الديني"في الأديان الثلاثة الإبراهيمية، وأدرج ذلك كله في سياق واحد هو سياق"فقدان الحداثة الخاصة بالسبعينيات لمصداقيتها"، من خلال سياقات أربعة خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات وهي: الإسلام المتوسطي (الثورة الإسلامية، حماس، جبهة الإنقاذ) والبروتستانتية الأمريكية (دور الجماعات المعمدانية والإنجيلية في انتخاب كارتر، وريجان، وبوش الأب) والكاثوليكية الأوربية (دور الكنيسة في بولندا) واليهودية (نفوذ الأحزاب التوراتية في السلطة وصعود الليكود) .
ولم يكن كيبل وحده، فقد كتب هارفي كوكس كتابه"عودة الله"، وكتب بيتر بيرجر كتابه"العودة إلى سحر العالم"أي الدين، وكذلك تحدث أوليفيه روا عن"إعادة الأسلمة". وهذه العودة للدين كانت دعوة سابقة وتم التنظير لها في الفكر الإسلامي، وعلى سبيل المثال نذكر كتابات سيد قطب عن الجاهلية وضرورة إقامة المجتمع المسلم، وصولا لكتاب البوطي"على طريق العودة إلى الإسلام"في الثمانينيات. مع ضرورة الإشارة إلى أن (جزءا) من"عودة الدين"كان ما بين 1980-1995 بدعم حكومات استبدادية (علمانية) لموازنة خصومها مما يسمى"الإسلاموية"أو"الإسلام السياسي".
غير أن الجدل هنا يحدث في الأساس حول مسألتين: علاقة الدين بالحداثة ومدى اعتبار أن التحديث سيؤدي إلى إقصاء الدين عن الحياة، والثانية: هو تلك العلاقة التي يراها أصوليو العلمانية حتمية بين العلمانية والديمقراطية. وفي ضوء هاتين المسألتين: يمكن الجدل حول عودة الدين، وبأي معنى يعود؟.
علاقة الدين بالحداثة والديمقراطية
فيما يخص المسألة الأولى، فقد ساد اعتقاد في أوساط المثقفين وعلماء الاجتماع الغربيين بأن التحديث هو المحرك الذي سيتسبب بصورة حتمية في إقصاء الدين عن الحياة، ومن ثم دأب هؤلاء على مدى ما يقرب من ثلاثة قرون على التأكيد على"أفول الدين". غير أن تلك العودة للدين التي تحدثنا عنها، زعزعت تلك التصورات الصلبة وأدت إلى وجود مقولات تبدو مسرفة في المقابل، مثل مقولة رودني ستارك (أحد أبرز علماء اجتماع الدين) :"حري بمبدأ العلمنة أن يُلقى في مقبرة النظريات الفاشلة"، أو مقولة"نهاية العلمنة"بالمطلق.
تجربتنا مع التحديث خلال نصف قرن كافية للاعتقاد بخطأ فكرة إقصاء الدين
غير أن تجربتنا مع التحديث خلال نصف قرن كافية للاعتقاد بخطأ فكرة إقصاء الدين، أو أن التحديث سيؤدي إلى إقصائه، أو أن العلمنة وإقصاء الدين توصيف سوسيولوجي لسياق تطور المجتمع واندحار المجتمع التقليدي، وبالنظر إلى الأحداث القريبة ودور الولايات المتحدة في شؤون العالم، جدير بنا أن نتقبل فكرة نهاية العلمنة كأحد أبعاد عملية التحديث.
وفيما يخص الإسلام تحديدا، فقد قدم الأنثربولوجي أرنست غلنر أطروحته بعد أن شغله سؤال"لمَ يكون دين واحد بعينه [الإسلام] على هذه الدرجة الملحوظة من مقاومة العلمنة؟"، وخلص إلى أن في الإسلام إيمانا دينيا عميقا، بمعنى الدين المؤسس العقيدي القادر على تحدي أطروحة العلمنة بشكل كلي ومؤثر. وقال: إن"عالم الإسلام يُظهر بوضوح أن من الممكن إقامة اقتصاد عصري -أو على طريق العصرنة- تخترقه بشكل معقول المبادئ التكنولوجية والتعليمية والتنظيمية المناسبة، ويعمل على ضمها وتوحيدها مع الإيمان الراسخ والتماهي في الإسلام، بكل ما يملكانه من قوة وانتشار وقدرة قادرة على الاندماج في الذات".
وإذا كان إقصاء الدين ليس شرطا للحداثة فإن العلمانية ليست شرطا للديمقراطية أيضا لأنها لا تعدو سوى أيديولوجيا منافسة ولم تعد الحقيقة الواحدة و"الخيار"الوحيد الذي لا بد منه للمجتمعات، والتجارب الحالية تؤكد ذلك، وكان جون كين (بروفيسور السياسة في جامعة وستمنستر) ، بحث"حدود العلمانية"طارحا التساؤل الذي يراه مثيرا لاستفزاز العلمانيين وهو في ما إذا كانت العلمانية تحول دون حرية التفكير في الديمقراطية نفسها، وبأنها تحولت إلى دوغما سياسية.
إلى ذلك إن العلمانية تحمل جملة من التناقضات، أبرزها دعوتها إلى حرية الاجتماع الديني، الذي يقود في نهاية المطاف، كما هو الحال الراهن، إلى زيادة رقعة الدين والدعوات الدينية للتدخل في الشأن العام والسياسة باعتبار أن للدين دورا مهما يمكن أن يؤديه في السياسة. وهذا التناقض أدى إلى تقارب العلمانية مع الدكتاتورية تحت مسميات عديدة، يمكن لمسها بوضوح في تركيا وفي فرنسا فيما يخص الحجاب والتعددية الثقافية والاندماج، هذا إذا لم نعتد بالتجارب العربية العتيدة.
عودة الدين ومعناها
وبناء على المسألتين السابقتين، نعود لمناقشة"عودة الدين"وبأي معنى يعود؟