فهرس الكتاب

الصفحة 5135 من 27364

يلح عدد من الفرنسيين على النظر إلى هذه العودة إلى الدين من منظار العلمانية نفسها، فمن السهل استخلاص الأفكار وصياغة المفاهيم التي بها يتم التفكير فيما يحدث خارج عالمنا أو عالم تصوراتنا، وبناء عليه يمكن عزو هذه العودة ببساطة إلى"تنامي الأصولية"، غير أن هذه الترجمة الآتية من سياق فكري وديني مختلف لا تصلح للتفسير هنا، فحتى جيل كيبل رأى أن هذا المصطلح"تبسيطي يختزل الظاهرة ويحرفها، ويعيق معرفتنا بتلك الظاهرة في مجملها"، وكثيرا ما يكون العجز عن الفهم بسبب تلك النظارات القديمة والتقليدية التي ننظر بها إلى الأمور.

فمثلا يرى باتريك ميشيل أن هناك استمرارا للعلمانية باعتبارها تقليص سلطةِ أو تأثيرِ المؤسسات الدينية على الفرد وعلى رؤية المجتمع الكبرى وعالمه الرمزي، وأنه لا يوجد ارتداد عنها، فهناك (ظهور جديد) للدين، والقضية هنا هي كيف نفسر هذا الوجود الديني المتعاظم والمؤثر بشكل كبير في فضاء السياسة والاجتماع الإنساني؟

هذه الاستمرارية للعلمانية يراها منبنية على ثلاثة ديناميكيات رئيسية هي: (الفردنة) بمعنى تأسيس علاقة فردية بين الإنسان والمعاني الدينية، والجديد في هذه العلاقة هو شرعية الفردنة وقبولها اجتماعيا، وهذه هي الصفة السائدة الآن للتدين في أوربا. والديناميكية الثانية: الابتعاد عن المؤسسات الدينية حيث تفتقد هذه المؤسسات احتكارها لتعريف ما هو الدين الصحيح، وهو ما حدث في أوربا؛ إذ لم تعد المؤسسة الدينية هي الجهة التي تقول ما هي الكاثوليكية الصحيحة أو البروتستانتية الصحيحة. أما الديناميكية الثالثة فهي استهلاكية العلاقة بالدين؛ أي إدخال بعد استهلاكي للدين.

العلمنة لا تتم في عقول الممارسين للدين بقدر ما تتم في عقول المحللين للظاهرة من العلمانيين

غير أن ما يلاحظ على هذه الرؤية أنها تعزل مفهوم الدين نفسه، لتقتصر على الممارسات فقط القابلة للتوصيف، وكذلك هذه الرؤية محكومة بشكل خاص بالكاثوليكية، ولو قلنا إنها تنطبق بشكل عام على الشأن الديني في أوربا، فإن عالم الإسلام مختلف تماما عن ذلك، فالعلاقة بالدين في الأساس هي علاقة فردية لها أبعادها الاجتماعية الظاهرة أيضا وليست هي علاقة بمؤسسة، وتلك العلاقة المركبة هي أساس التكليف، ولا يمكن الحديث عن مؤسسة دينية بالمعنى الحديث إلا مع الدولة الحديثة التي جهدت في إيجاد مؤسسة رسمية للإمساك بالدين والتحكم بمنطوقه عبر المؤسسة تلك؛ ما نتج عنه مشكلات كبيرة، فالابتعاد عن المؤسسة هو في حقيقته ابتعاد عن الدولة نفسها، حيث يتم منح الشرعية وتعريفها بمقدار العداء للدولة العلمانية المستبدة!.

أما استهلاكية الدين وأن اللجوء إليه يكون فقط لجوءا لممارسة (مريحة) فهذا توصيف لتلك"الصرعات"الدينية السائدة في الغرب، ويتم التفكير بها بمنطق المجتمع الرأسمالي وتحقيق الرفاه، فالعلمنة لا تتم في عقول الممارسين بقدر ما تتم في عقول المحللين للظاهرة من العلمانيين ومن هنا نفهم كيف يقول باتريك إن الحرية الفردية التي أتاحت ارتداء الحجاب هي من مبادئ الجمهورية، وليست من مبادئ الإسلام، ويرى أن الحجاب في فرنسا إحدى وسائل الفردنة إذ عن طريق الحجاب والعودة إليه غالبا ما تكون البنت أكثر استقلالية عن أسرتها!!. ما يعني أننا هنا أمام مقاربة لعودة الدين بنظارة علمانية من جديد. وفي هذا السياق نفسه يندرج ما يطرحه أوليفيه روا حين يعتبر صيغة ما بعد الإسلام السياسي التي طرحها ليست أفول الدين، وإنما صيغة من علمنة الفضاء الذي تنم فيه الممارسات الدينية، لنجد أن القاعدة وهجماتها لديه هي احتجاج على العولمة.

باتريك ميشيل يرى أيضا أن تفسير عودة الدين يجب أن يتصل بنهاية الاستقطاب بين الشيوعية والرأسمالية كنظم قيم وليس كدول فقط؛ وهو ما أدى إلى إعادة طرح فكرة الدين من جديد. ومع إعادة تشكيل العالم فإن هناك مشكلة وأزمة في الهوية، فقد أدت خلخلة الهوية لنوع من الحماس الديني؛ لأن الأحاسيس والمشاعر اتجهت لأهم الموارد الرمزية التي ما تزال باقية والتي تعطي معنى للعالم: وهي الأديان بحسب رؤيته. لكن في المقابل: من طبيعة الأديان الكبرى أنها تقدم موردا رمزيا وتحاول أن تجيب على الأسئلة الكبرى. والعلاقة مع الأديان السماوية ليست طارئة، بل تلك الأيديولوجيات هي الحادثة، وبعد الاستقطاب تركت فراغا بفقدانها لمصداقيتها، وتم الرجوع من قبل بعض النخب إلى الدين، ولا أعتقد"بالعودة"إلى الدين على المعنى الذي يشير إليه باتريك على مستوى عامة الأفراد، فضلا عن أن العودة في المظاهر يدخلها جملة من العوامل مما لا شأن للاستقطاب به. هذا فضلا عن أنه حين يتم الحديث عن"عودة الدين"فهي مقولة نشأت ردا على مقولة كانت سائدة حول"أفول الدين"، والقول بشكل جديد للدين، وليس بعودة، هو التفاف على الرسالة الأساسية التي جاءت لأجلها العلمانية وهي إقصاء الدين عن الشأن العام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت