فهرس الكتاب

الصفحة 5138 من 27364

وضمن مناقشات الكتاب، تحدث ليرنر عمن أسماهم"الانتقاليين". وفي هذا السياق، كان هناك"التقليديون"الذين كان من بين ما يعتقدونه أن الدين شيء مهم جدًّا. وهناك أيضا من كانوا نتاجًا لعملية التحديث، وهم الحداثيون؛ الذين يعتقدون -ضمن ما يعتقدون- أنه ليس للدين دور في المجال العام، وأنه أمر شخصي يتعلق بحياة الفرد الخاصة.

ولدى وصفه للانتقاليين في تركيا، يقول ليرنر: إنهم"يكتسبون حراكا عقليا (في الوعي) ، أي قدرة شخصية على التعرف والانفتاح (على الآخر) والتواصل الفاعل. إنهم يعلمَنون كما أنهم ينشطون. وفي نظرهم، يكون التعاطي مع المشكلات بصياغة وصنع سياسات، وليس بالصلاة والدعاء".

هذه صورة لما كان يفترض أن يكون عليه الشخص التحديثي. لكن مع وصولنا لنهاية حقبة ساد فيها الاعتقاد بأن العلمنة جزء أصيل في عملية التحديث، فإننا نرى أن الكثيرين من الحداثيين في أكثر المجتمعات تحديثا يعتقدون -وهم في مستهل القرن الحادي والعشرين- أن السياسات ليست بالضرورة بديلا عن الصلاة.

في التجربة التركية وتجارب أخرى

ففي تركيا المعاصرة، وبعد مضي أكثر من نصف قرن على دراسة ليرنر، هناك عدد كبير من رجال الأعمال والعلماء والمثقفين -الحداثيين تماما- لا يشعرون بأن عليهم أن يختاروا بين السياسة والصلاة، بل إنهم في المقابل يعيشون منظورا يشمل الاثنين.

كان ينظر (في الغرب) عادة إلى رواد التحديث في العالم الإسلامي من خلال آفاق نظرية العلمنة التقليدية القديمة. وعندما ينظر الأمريكيون إلى العالم الإسلامي، فإنهم يرون في التحديثيين العلمانيين شخصيات بطولية.

ومصطفى كمال أتاتورك في تركيا مثال بارز على ذلك. فقد أرسى أتاتورك أسس المجتمع الحديث في تركيا التي هي واحدة من أعظم حلفائنا، وهي عضو مهم في حلف معاهدة شمال الأطلسي (ناتو) ، كما كانت داعمًا رئيسيًّا للغرب خلال الحرب الباردة. ولهذا تأتي نظرة الغرب (ولها ربما ما يبررها) لإنجازات مصطفى كمال، باعتبارها كانت أساسية في قيام تركيا المعاصرة.

من المهم أن ندرك، في سياق دور الدين في الشؤون الدولية وعمليات قيام مجتمعات حديثة، أن مصطفى كمال أقام نظاما سياسيا بناء على ادعاء بأنه لا مناص من إقصاء الدين عن الحياة العامة إذا ما أريد أن يقام مجتمع حديث. وقد حكم رضا شاه بهلوي (في العشرينيات والثلاثينيات) وابنه محمد رضا شاه (في الخمسينيات والستينيات) إيران وفق إطار سياسات مشابهة.

وثمة حالات عديدة أخرى في العالم الإسلامي، حيث كان ينظر للعلمنة باعتبارها جزءًا ضروريًّا من التحديث. ويتضح هذا من توصيف عمليات التحديث الاجتماعي والعمل السياسي كذلك. وغالبا ما اعتبر خلع الحجاب عنصرًا مهمًّا في برامج التحديث، كما يتكرر ذكره في توصيفات برامج الإصلاح.

فقد كانت شرارة"البداية لحقبة جديدة للنساء"في مصر مثلا هي قيام هدى شعراوي ونبوية موسى بخلع الحجاب بصورة مفاجئة درامية وعلنية بعد نزولهما من القطار في محطة السكك الحديدية الرئيسية بميدان رمسيس بالقاهرة، لدى عودتهما من مؤتمر دولي عام 1923.

استحالة فصل الدين عن الحياة العامة

ما يجب الإقرار به الآن هو أن الفكرة القائلة بضرورة فصل الدين عن الحياة العامة لأجل تحقيق التحديث قد دحضت من خلال حياة وخبرات وتجارب أناس كثيرين وبلاد عديدة، في شتى أنحاء العالم، وبصورة خاصة في العالم الإسلامي.

وعندما ننظر إلى العالم الإسلامي في سياق خيارات السياسة الأمريكية، من المهم ألا يغيب عنا هذا الإطار الفكري الأوسع حول نهاية نظرية العلمنة. وهو في حد ذاته مهم؛ لأننا بحاجة إلى البحث عن الحلفاء المناسبين. ففي حقبة تدرك أهمية الحوار الحضاري، نحتاج إلى أن نكون على وعي بالناس الذين نستطيع التحاور والعمل معهم بفاعلية.

وكما خلص جون لينتشوفسكي إلى التأكيد على أهمية أن ترتكز الحرية على أسس أخلاقية، فإنني أريد لذلك التأكيد المهم على أن يمتد لكي نلحظ أن حرية العالم كله تتطلب أسسا أخلاقية.

وإذا كنا نسعى لبناء وتقوية الركائز الأخلاقية للحرية في الولايات المتحدة، فإننا لا نبحث بالضرورة عن حلفائنا من بين أشباه الملاحدة أو الدهريين. وإذا كنا لا نفعل ذلك في الولايات المتحدة ذاتها، فلماذا نفعله عندما نتعامل مع العالم الإسلامي؟ ولماذا نرى في سلمان رشدي مثلا حليفا عظيما ومسلما معتدلا بدلا من البحث والتحاور مع من يؤمنون ويحافظون بقوة على القيم الأخلاقية على أساس ديني، ويعتقدون أن للدين مكانًا في السياسات والحياة العامة.

في مثل هذا السياق، وكمثال بعيد، فإن آية الله الخميني يمثل حليفا أفضل لنا من سلمان رشدي. ولكن على أي حال، فإن خياراتنا المتاحة ليست هي أن نختار بين أمثال سلمان رشدي وأمثال الخميني. فلدينا في العالم الإسلامي أناس يؤمنون ويتطلعون إلى قيام مجتمعات على أساس أخلاقي، ومع هؤلاء نستطيع -كما فعل غيرنا- أن نتحدث.

نحو مجتمع أخلاقي

الصدام المهم في الحقيقة هو بين من يرون أن الدين لا دور له في المجتمع ومن يرون أن له دورا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت