فهرس الكتاب

الصفحة 5155 من 27364

*- مرة أخرى سقط السياسيون في العجلة، ووافقوا على الهدنة، فتنازلوا بذلك لليهود عن عنصر المبادأة أو المبادرة، وحرص العرب على أن يظهروا بمظهر الحريص على احترام (الشرعية الدولية) ! التي لم تحترمهم، والتي زرعت اليهود في أرضهم.

*- حرص اليهود على استغلال كل دقيقة من فترة الهدنة لتغيير موازين القوى لصالحهم، وسخروا أشد السخرية من غباء القرار العربي بقبول الهدنة، حتى إن (مناحم بيجن) كتب وقتها يقول: (إننا لا نعرف حتى الآن كيف ولماذا قبلت الدول العربية الهدنة، بعد أن كان الموقف العسكري في صالحها تماماً) !

*- بعد انتهاء شهر الهدنة، كان اليهود قد نجحوا في تسلم زمام المبادرة سياسياً وعسكرياً، ثم بدؤوا في حرب استنزاف للجيوش العربية كل على حدة، فقد عادت الحرب ثانية، وكان اليهود هم البادئون هذه المرة، فنفذوا ضربة جوية مفاجئة لمطار العريش في (مصر) ، وهو المطار الذي كان يعتمد عليه الجيش المصري؛ لأن بقية المطارات كانت خاضعة للمحتل الإنجليزي، ثم أعقب ذلك قصف جوي لتجمعات الجيش البرية في كل قطاعات القتال مما أدى إلى حالة من الفوضى والارتباك.

*- بعد أن حقق اليهود قدراً كبيراً من النجاح وأصبحوا في حاجة إلى فرصة لالتقاط الأنفاس، أصدر مجلس الأمن قراراً ثانياً بالهدنة، واستجاب العرب مرة أخرى فأعطوا لليهود فرصة ثانية للمزيد من لمِّ الشمل واستعادة النشاط!

*-عادت الحرب للمرة الثالثة بمعارك متفرقة هنا وهناك، إلى أن أصدر مجلس الأمن قراره الثالث بإيقاف الحرب نهائيّاً بعد أن فشلت كل الجهود العربية في إجلاء اليهود عن الأراضي التي احتلوها في فلسطين، وهو ما يعني بعبارة أخرى: الهزيمة في تلك الحرب والفشل في تحقيق أي من أهدافها!

ومما يجدر ذكره هنا، أن عقد الأربعينات الذي جرت فيه تلك الحرب، قد شهد انتعاشاً في الشعور بالانتماء القومي العربي، حيث بدأ العرب وقتها في الفصل بين مفهومي (الأمة العربية) و (الأمة الإسلامية) وتُوِّج هذا الشعور القومي بإنشاء (الجامعة العربية) رداً على من كانوا ينادون بالعودة إلى (الجامعة الإسلامية) .

الجولة الثانية: حرب 1956م:

جاءت الجولة الثانية بعد أن آلت السلطة في بعض الدول العربية إلى أنظمة ثورية، دعت نفسها بالتقدمية، وكان النظام الثوري العسكري في (مصر) هو المتزعم لها، وقد عدّ من أهدافه الرئيسة المعلنة: تحرير (فلسطين) والقضاء على دولة (إسرائيل) ، وجعل من هذا الهدف إلى جانب توحيد العرب تحت راية القومية العربية قضية يبني بها المجد والزعامة، فماذا كان مسلك الثوريين العساكر بعد أن تسلموا دفة الصراع مع اليهود..؟ هذا ما توضحه المشاهد التاريخية التالية:

-كان أول عمل قام به (قائد الثورة) (جمال عبد الناصر) بعد تسلمه منصب الرئاسة رسمياً هو تأميم قناة السويس في 26 تموز (يوليو) 1956م، وكان قراراً اتخذ دون دراسة أو تحسب لما يمكن أن يترتب عليه من نتائج، وقد جاء رد فعل على تصريح لوزير الخارجية الأمريكي وقتها (فوستر دالاس) قال فيه: إن الاقتصاد المصري منهار.

-ثار الغرب لهذا القرار، وخاصة ما كان من (إنجلترا وفرنسا) حيث أخذتا في الإعداد لإجراء حاسم وتواترت الأنباء عن حشود إنجليزية وفرنسية في (قبرص) استعداداً لعمل عسكري ضد (مصر) بالاشتراك مع دولة اليهود، ولكن القيادة لم تكترث، ولم تأخذ هذه التهديدات مأخذ الجد، بل كان هناك استرخاء عسكري بالرغم مما يجري، حتى إن القيادة خففت من أعداد القوات المعدة للقتال لأسباب غير مفهومة.

-عندما بدأت نذر الحرب كان اليهود يحتفظون بالتفوق العسكري مقارنة بالإمكانات المصرية التي يفترض أنها أكبر وأقوى الإمكانات العربية، فقد كان التفوق ظاهراً حتى في الجانب العددي البشري، فكان التفوق في المشاة بنسبة 1: 3 لصالح اليهود، وفي القوات البرية (الدبابات) بنسبة 1: 1.8 لصالح اليهود، وفي سلاح المدفعية بنسبة 1: 2.5 لصالح اليهود أيضاً.

-نسق اليهود جهودهم مع حلفائهم استعداداً للحرب، فاتفقوا مع فرنسا على تأمين الغطاء الجوي الكافي للمدن الإسرائيلية وعلى أن يتولى السلاح البحري تأمين حراسة السواحل الإسرائيلية، وأن تشارك القوات الفرنسية بالقتال ضد أي دولة عربية تدخل الحرب إلى جانب (مصر) ، وأُسند إلى السلاح الجوي البريطاني مهمة تدمير الطيران المصري على الأرض.

-وأخيراً اقتنعت القيادة الثورية بأن أمر الحرب جد لا هزل فيه، فبدأت في تركيز الجهود على حماية سيناء من الشرق، بينما أهملت الجبهة الجنوبية إهمالاً مريباً، حيث كان من الغريب أن يخصص لهذه المنطقة الحيوية نحو 120 جندياً من المشاة لحمايتها!!.

-وبدأت الحرب في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1956م بمهاجمة الخط الأقل خطراً في نظر القيادة المصرية، وهو المنطقة الجنوبية من سيناء، وأعلن اليهود أنهم يقاتلون على بعد 40 كيلو متراً من قناة السويس، حتى يعطوا الذريعة لكل من إنجلترا وفرنسا للتدخل العسكري، بحجة حماية حرية الملاحة الدولية في قناة السويس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت