-وبالفعل أقدم سلاح الجو البريطاني على ضرب الطيران المصري على الأرض، واضطر المصريون للقتال دون غطاء جوي على مختلف المحاور، وأبلى المقاتلون المصريون بلاءً حسناً في القتال، لولا أن الأوامر صدرت من القاهرة، للقوات الرئيسة بالانسحاب بعد إنذار أرسلت به انجلترا وفرنسا، وبدأ الانسحاب ليلة 31 أكتوبر 1956م، من قطاع إثر قطاع مما سبب حالة من الارتباك والاضطراب.
-وفي ظل غياب أي غطاء جوي أو طبيعي من جبال أو أشجار، كان الانسحاب شاقاً ومكلفاً، فقد أصبحت القوات المنسحبة هدفاً مكشوفاً أمام الطائرات النفاثة المغيرة والمحملة بكل أنواع الأسلحة المدمرة والحارقة.
وهكذا انتهت الحرب بهزيمة الجيش المصري وإهانته في حرب بدأتها الدعاية وأوصلها الغرور إلى أسوأ نهاية، فقد احتُلت سيناء ولم تنسحب إسرائيل منها إلا بعد أن ضمنت السماح لها بالملاحة في خليج العقبة كيف تشاء.
وكان ل (بريطانيا) (صديق العرب المفضل دائماً) الدور الأكبر في تقديم الجيش المصري لقمة سائغة لليهود.
الجولة الثالثة: حرب يونيو 1967م:
هي الحرب الثانية في العهد الثوري التقدمي الوحدوي الاشتراكي... العلماني! وقد كانت عاراً لم تُمسح آثاره إلى اليوم، حيث كان الهدف الرئيس لها احتلال القدس، فتحقق الاحتلال، ولم يتم التحرير إلى اليوم لا سلماً ولا حرباً. وهذه بعض المشاهد التاريخية للكارثة التي سميت زوراً (نكسة) !
-تضخم الغرور في الذات اليهودية بعدما تم إحرازه من انتصارات رخيصة على شعوب مغلوبة على أمرها، ولم تكد تنقضي عشر سنوات على حرب 1956م حتى تفتحت شهية اليهود لحرب جديدة، ففي شهر ديسمبر 1966م أعلن (ليفي إشكول) رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت، نية بلاده في دخول حرب جديدة ضد العرب وهدد بغزو (سوريا) ، في لهجة جديدة وغير معهودة من اليهود المتظاهرين أبداً بالمسكنة والاستضعاف.
-وفي عام 1967م لم ينقض شهر نيسان (إبريل) منه حتى كان اليهود قد نفذوا ما توعدوا به؛ فشن سلاحهم الجوي هجوماً ضخماً ضد (سوريا) ، وفي الشهر التالي هدد الهالك (إسحاق رابين) بدخول دمشق، بعد افتعال مشكلة وأزمة بسبب تحويل مجرى نهر الأردن، وقيام أعمال فدائية ضد دولة اليهود من داخل (سوريا) .
-وكان هذا الهجوم الإسرائيلي ضد (سوريا) رسالة موجهة أيضاً إلى (مصر) ، التي كان قادتها منهمكين أو غارقين في المستنقع اليمني، حيث الحرب الظالمة التي أقحم فيها الجيش المصري للقتال هناك نصرة للقوى (التقدمية) ضد القوى (الرجعية) ! وبدلاً من أن تتنبه تلك القيادة للخطر، وتسعى لحشد القوة ضد العدو الحقيقي المتربص من وراء الحدود، اكتفى الثوار بنشر قوات بغرض الردع والتخويف واستعراض القوة في (سيناء) .
-اعتبر اليهود ذلك الاستعراض بمثابة إعلان حرب من (مصر) ، وأعلن (موشي دايان) وقتها أن (مصر) هي العدو الحقيقي وليست (سوريا) ، وأن على (إسرائيل) أن تتفرغ لحربها وأصبح قرار الحرب في إسرائيل في حكم المنتهى منه، ولم يبق إلا انتظار الذريعة المناسبة.
-ومرة أخرى قدم النظام الثوري الذريعة لليهود المتربصين، فصدر قرار بمنع الملاحة في خليج العقبة الذي تنتقل منه البضائع من وإلى (إسرائيل) .
وانتشرت القوات المصرية على خليج العقبة بعد انسحاب قوات الطوارئ الدولية منه، وزاد الطين بلة أن جرى الإعلان عن توقيع ميثاق دفاع مشترك بين (مصر) و (الأردن) بالرغم من الخلافات التي كانت قائمة بينهما.
-لم يعد هناك وقت للتفكير لدى دولة اليهود، فشكّل رئيس وزرائها حكومة حرب وأدخل فيها (موشي دايان) وزيراً للدفاع، لينفذ توعده بالانتقام من (مصر) ، وكانت القوات الإسرائيلية قد أتمت استعداداتها التي بدأتها منذ زمن لخوض الحرب الشاملة في حين كانت القوات المصرية غير مستعدة حتى مساء الرابع من يونيو من العام نفسه.
-وفي صباح الخامس من يونيو 1967م، قام اليهود بشن الحرب، معلنين أنهم في وضع دفاع عن النفس بعد أن حشدت مصر قواتها في سيناء، وأغلقت خليج العقبة؛ وأحلت قواتها محل قوات الأمم المتحدة، وبدأ اليهود في توجيه ضربة جوية مفاجئة ضد القواعد الجوية العربية في كل من (مصر) و (سوريا) و (الأردن) و (العراق) ، وأطلق على هذه العملية (ضربة صهيون) !
-انطلق الطيران اليهودي كله من مرابضه (150 طائرة) وتوجه نحو 19 قاعدة مصرية جوية موزعة في أنحاء (مصر) (الدلتا سيناء الصعيد) لتدكها وهي على الأرض وبعد خمس عشرة دقيقة من بدء الحرب كان الجنرال (مردخاي هود) قائد سلاح الجو الإسرائيلي في لقاء مع ممثلي الصحافة الإسرائيلية والعالمية، حيث زف إليهم البشرى بتلك المذبحة الجوية وقال: لقد دمرنا الحصيلة الكبرى من طائرات العدو، منها (309) طائرة في (مصر) ، و (60) طائرة في (سوريا) ، و (29) طائرة في (الأردن) و (12) طائرة في (العراق) ، وطائرة واحدة في (لبنان) ، في حين لم تخسر (إسرائيل (إلا(19) طائرة!!.
-يعود السبب في هذا الحدث المفجع في تاريخ الحروب الحديثة إلى عدد من الأخطاء الفادحة التي وقعت فيها القيادات العربية، ومنها: