فهرس الكتاب

الصفحة 5157 من 27364

إساءة تقدير قوة العدو، وإهدار الاستفادة بالقدرات الذاتية، ويعود أيضاً إلى سبب آخر مهم، وهو: أن القيادة المصرية كانت قد قررت القبول بتلقي الضربة الأولى نزولاً على نصائح (السوفييت) ، حيث قدرت الخسائر المتوقعة في حال تلقي الضربة الأولى بما يتراوح بين 15 20% من مجموع القوة الجوية العربية، واعتبرت القيادة السياسية هذه النسبة ضئيلة، وتُعد تضحية مقبولة في مقابل إظهار (إسرائيل) بمظهر البادئ بالعدوان أمام الرأي العام العالمي!!!.

-أما الحرب البرية الرئيسية بعد ذلك، التي دارت رحاها في سيناء، فيكفي أن نتصور ساحة قتال مكشوفة أمام طيران معادٍ، يصول ويجول فيها وينتقي الأهداف التي يشتهيها دون أي عائق من جيش مأمور بالانسحاب لا بالمقاومة!

-وبالرغم من كل عوامل الفشل التي بدأت بها المعركة، إلا أن دفاعاً مستميتاً من الجنود، حاول في بعض الجهات مقاومة الهزيمة ببسالة نادرة، حتى إن القادة الإسرائيليين أنفسهم اعترفوا بحدوث موجة من الاضطراب سادت صفوفهم في المحور الشمالي بسبب المقاومة العنيفة.

-وأجمع عسكريون كثيرون على أن القيادة العسكرية المصرية لو كانت قد دبرت هجمة مضادة لإجهاض الهجوم الإسرائيلي في ذلك الوقت لكان لذلك تأثير في تغيير مجرى المعركة غير أنها أصيبت بالشلل المعنوي بسبب الضربة الجوية المفاجئة فاكتفت بإصدار أوامر الانسحاب، مما تسبب في فقد الجيش المصري لـ 80 % من سلاحه، وفقد عشرة آلاف جندي، وألف وخمسمئة ضابط، ووقوع خمسة عشر ألف جندي، ونحو خمسمئة ضابط أسرى في يد العدو، ولم تتوقف الحرب على الجبهة المصرية إلا بعد أن طلبت مصر وقف إطلاق النار على جبهتها معلنة بذلك التسليم بالهزيمة.

-التفت اليهود بعد ذلك إلى الجبهة الأردنية، فاحتلوا الضفة الغربية، فطلبت الأردن وقف إطلاق النار وسلمت بالهزيمة، ثم اتجه اليهود إلى سوريا واحتلوا مرتفعات الجولان مع قاعدتها مدينة القنيطرة، ثم أعلن عن وقف إطلاق النار؛ وبذلك انتهت الجولة العسكرية الثالثة، وأعلن الرئيس المصري أنه يتحمل مسؤولية الهزيمة؛ وأنه لذلك سوف يتخلى عن السلطة، ولكن الجماهير التي خدرتها الشعارات الثورية، تقبلت الهزيمة والتضحية بالأرض والدم والوطن، ولكنها لن تقبل التفريط في الزعيم ولو قادها إلى الجحيم!.

الجولة الرابعة: حرب أكتوبر 1973م:

درجت أوساط كثيرة على وصف حرب أكتوبر عام 1973م بأنها حرب (التحريك) وليست حرب (التحرير) كما اشتهرت على الألسنة .. فهل في الأمر من سر؟! الظاهر أن ذلك الوصف فيه شيء من الصحة، إذ إن الأمور بعد هزيمة عام 1967م، كانت تتجه نحو الحل السلمي، حتى إن (عبد الناصر) نفسه قد قبل في آخر حياته بمبادرة أمريكية للسلام بين العرب وإسرائيل، وهي مبادرة (روجرز) ولكن جو الإحباط بعد أن تبينت الشعوب حجم الكارثة، ومشاعر السخط على القيادات العربية التي تسببت فيها، بالإضافة إلى استمرار احتلال اليهود لما احتلوه في تلك الحرب في (مصر وسورية والأردن وفلسطين) ، كل ذلك حال دون إمكانية الإقدام على توقيع معاهدات صلح مع اليهود، تقرهم فيه الزعامات العربية من موقف ضعف على البقاء والعيش في أرض فلسطين، كان لا بد إذن من عمل شيء كبير، يكون نقطة انطلاق نحو إنهاء حالة الحرب مع اليهود إلى الآن..!

ولأن هذه الخطوة المطلوبة أعني إنهاء الصراع مع اليهود كانت كبيرة في حجمها، خطيرة في أبعادها، ومثيرة في تفاصيلها، فقد كان لا بد من تخفيف وقعها على الشعوب قدر المستطاع وعلى مراحل؛ ولهذا كان الإعداد لحرب (التحريك) التي وُضِعَ لها سيناريو مسبق في ردهات وكواليس السياسة الدولية.

وكان هذا السيناريو يقضي باستعادة الجيش المصري والنظام معه لهيبته باسترجاع جزء من شبه جزيرة سيناء التي أضاعها النظام الثوري نفسه في مرحلة سابقة، وفي الوقت نفسه يحفظ لقادة اليهود ماء وجوههم أمام شعبهم فيلتفون حول هذا النصر، ويفرغونه من محتواه من الناحية العسكرية ثم من الناحية السياسية. وقد تم الأمر على هذا النحو:

في يوم السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 1973م الموافق للعاشر من رمضان 1393هـ، اجتازت القوات المصرية قناة السويس، وانتقلت إلى الضفة الشرقية، واقتحمت خط (بارليف) الحصين، لتأخذ مواقع دفاعية بعد عشرة كيلو مترات من شاطئ القناة في داخل سيناء، ولم تعط للقوات المسلحة بعد ذلك أي صلاحية لتتابع تقدمها في سيناء لإكمال تحريرها مع وجود الإمكانية لذلك، حتى إن رئيس الأركان نفسه في الجيش المصري (سعد الدين الشاذلي) قد اختلف مع القيادة السياسية واتهمها بالتواطؤ، وعاش سنوات طويلة في منفاه الاختياري خارج البلاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت