وبعد عشرة أيام من بدء الحرب وإحراز تلك الانتصارات فيها لصالح العرب، عبرت عدة دبابات يهودية قناة السويس من منطقة (الدفرسوار) وفتحت ثغرة في صفوف القوات المصرية، ثم تتابع تقدم الدبابات اليهودية، وانتشرت على طول القناة من ضفتها الغربية، وحاصرت مدن القناة، وحجزت القوات المصرية في سيناء، وبهذا انقطعت وسائل الاتصال بين قطاعات الجيش المصري، وبدت (إسرائيل) أمام مواطنيها ومؤيديها في الداخل والخارج منتصرة، حيث تمكنت من أسر القوات المصرية كلها في سيناء، والالتفاف عليها؛ بينما كانت الدعاية المصرية والعربية تصور العبور على أنه من أعظم الانتصارات،وانتهت الحرب عند ذلك الحد بإعلان وقف إطلاق النار، في وضع لا يسمح للمصريين بادعاء النصر الشامل، ولا يمنع اليهود من ادعاء الثأر الكامل. وبعد انتهاء الحرب مباشرة بدأ تدشين العملية السلمية بين مصر وإسرائيل في مراحلها المبكرة، وذلك بزيارة قام بها وزير الخارجية الأمريكي (اليهودي) (هنري كيسنجر) لمصر، حيث اتفق مع القيادة على فض الاشتباك بين المصريين والإسرائيليين والاتجاه نحو حل النزاع في الشرق الأوسط بالطرق السلمية.
وهنا أمر ينبغي تنبيه القارئ إليه، وهو أننا لا نشكك في إمكانية تحقيق النصر على اليهود، ولا في إخلاص الجنود الذين قاتلوا وقتلوا، بل لا نقلل من أهمية دور التعبئة المادية والمعنوية للمعركة هذه المرة، ولكننا نعبر فقط عن قناعة بأن هذا النصر الجزئي كان حجة أقامها الله على العرب والمسلمين في إمكان نصرهم على عدوهم ولو كانوا أذلة، وأنه كان يمكن أن يكون نقطة انطلاق نحو نهضة ووحدة عربية وإسلامية شاملة، ولكن أعداء الأمة أصروا أن يجعلوا منه نقطة انطلاق أيضاً، ولكن إلى نكبة وفرقة عربية وإسلامية شاملة... وهذا ما كان في النصف الثاني من عمر الصراع، عبر خمسين عاماً من الضياع....
وللحديث بقية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلة البيان 115