إنَّ جميع الآمال والأحلام التي حملناها خلال أكثر من ثمانين عاماً تلاشت أو كأنَّها تتلاشى. فبعد أن كانت القضية قضية الأمة المسلمة، أصبحت من خلال مخططات إجرامية قضية الشعب الفلسطيني وحده، ليواجه أقوى دولة في المنطقة وحده، ليواجه الدولة التي تراجعت كل الدول العربية عن مواجهتها، بل إنَّ بعضهم ارتبط معها بتبادل التمثيل السياسي، وبعضهم الآخر يبدو أنه على الطريق، وليواجه الواقع الدولي الذي يقف صفاً متراصاً لحماية دولة اليهود.
في الوقت الذي كان فيه دويّ شعاراتنا وضجيجها على أشدّه حماسة وتهديداً ووعيداً لإسرائيل، كانت إسرائيل تعمل بهدوء في مخططاتها، حتى امتدَّ نفوذها على جزء كبير من العالم الإسلامي، دون ضجيج ولا صراخ، وامتدت مساحتها في فلسطين كذلك.
ودولة اليهود حسب مقررات هيئة الأمم المتحدة كانت مساحتها تقريباً 60% من أرض فلسطين، أما المساحة المقررة للفلسطينيين 40%. هذا كان سنة 1947م في قرار التقسيم. أما اليوم ، فمساحة دولة اليهود تزيد عن 90% من أرض فلسطين، ومساحة الأرض التي يُزْعَم أنها ستقوم عليها دولة للفلسطينيين هي بحدود 9-10% من أرض فلسطين، هذا بعد قيام ثلاث انتفاضات، تولى الإعلام العربي وغير العربي تغذيتها، وجميعهم يعلم أنه لا قدرة للفلسطينيين على إزالة دولة إسرائيل، كما كان شعار جميع الفصائل، وصفَّق الناس وهاجوا وماجوا لتلك الشعارات، وعُقدت الندوات والمؤتمرات وامتلأت الصحف، وضجَّت المهرجانات، ودارت الأناشيد، وجُمعت مليارات الدولارات، وطاف الناس هنا وهناك في حماسة عالية. ولكن لم يسأل أحد من الفلسطينيين ولا من الفصائل، ولا من الأحزاب، ولا من العرب، ولا من المسلمين، لم يسأل أحد أبداً: يا قوم هذا شعاركم فما هي خطتكم لتحقيقه؟!
ثمًَّ بدأ التنازل شيئاً فشيئاً عن الشعارات: فكانت المطالبة بدولة عند حدود سنة 1967م. ثمّ جاءت المطالبة بحكومة وحدة وطنية بعد أن لم تستطع الحكومة القائمة تحقيق أيّ شيء من الناحية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو العسكرية واختفى شعار الإسلام، وحلَّ محله شعار الديموقراطية والانتخابات التي شغلت الناس وصرفتهم عن قضيّتهم، وأثارت الفتنة بينهم، وأشعلت القتال بينهم بعد ذلك، ودفع هذا الشعب الفلسطيني الذي صفّق طويلاً لهؤلاء ثمَّ لهؤلاء، ثمناً غالياً من الجوع والحرمان والحصار الدولي المدمر، والتقتيل والتدمير والسجون!
ثمَّ بدأت مرحلة: دولة الوحدة. وتوزّع الناسُ يطوفون الأرض يتوسّلون إلى الدول من أجل الاعتراف بدولة الوحدة الوطنية التي لم تتكوّن بعد، ورفعِ الحصار عن الشعب الذي لم تعُدْ سواعِدُه ولا أكفّه ولا حناجره قادرةً على الهتاف والتصفيق، فحسبه أن يَسْكُبَ الدموع على قتلاه وضحاياه وعلى أطفاله، وعلى جوعه، وعلى مزارعه وبساتينه وثرواته!
لا بدَّ من وقفة صريحة هنا. لقد حدث تحوُّل كبير في الشعارات، وخاصة في وسائل الإعلام، حيث يظهر الدعاة المسلمون، وقد اختفت مصطلحات الإسلام عن ألسنتهم، وحلّت مصطلحات الديموقراطية والعلمانية وأمثالها، و أصبح الجميع ديموقراطيين. ألم يكف أن يقول داعية كبير في مقال له كبير:"نحن مع الديموقراطية بجميع أشكالها ومعانيها". لقد قالوا قبل ذلك مثل هذا عن الاشتراكية وتغنُّوا بها، فما نالوا خيراً منها ولا من أربابها. واليوم، مهما تغنُّوا بالديموقراطية فلن ينالوا منها ولا من أربابها خيراً، إلاّ زيادة المكر والكيد والكبر والإذلال والتدمير والعدوان. كان الشعار:"فلسطين ملك للمسلمين ومسؤولية المسلمين جميعاً"، ثمَّ اختفى هذا الشعار وحُصرت القضية بالفلسطينيين.
هذه الدولة التي يصارعون من أجلها، ويتصارعون من أجلها، ويَقْتُلون أنفسهم من أجلها، هذه الدولة على رُقْعة لا تزيد عن10% من مساحة أرض فلسطين، لا يوجد فيها أيُّ مقوّمات اقتصادية أو علمية أو فنية أو عسكرية لتقيم دولة، ولا حدود لها!
إنها فتنة وباب إشغال للمسلمين حتى يتابعوا تراجعهم وتنازلهم، ثمَّ لا ينالوا شيئاً إلاّ الإذلال والمهانة والهوان والضياع.
إنَّ إسرائيل، حتى لو قامت الدولة، تستطيع أن تدخل إلى أيّ بقعة منها، فتدمّر وتقتل، وتعتقل، ولا أحد في الأرض كلها يصدُّها عن ذلك إلاّ الشكوى تِلو الشكوى للمجتمع الدولي الذي سُكِّرتْ أبصاره وسُدَّت آذانه!
لقد اتجهت الأحداث أو وجّهت لتجعل أهل غزة والضفة، في واقعهم الحالي، لا يستطيعون الاستغناء عن إسرائيل والمجتمع الدولي، وفترة الحصار هذه أكبر دليل على ذلك. فالماء والكهرباء لا يأتي للقطاع إلاّ من إسرائيل. وكثيرون يحصلون على رزقهم من العمل في إسرائيل.
جميع الظروف لا تسمح لهذه الدولة المزعومة بأن يكون لها الكيان الحقيقي بالمفهوم الحقيقي للدولة. إلاّ أنها تسمح للوزراء والرؤساء أن يركبوا السيارات ويتمتعوا بالألقاب، وبالسفر والمقابلات، والظهور على الفضائيات والصحف، وإعطاء التصريحات والحوارات، والانشغال بهذه الأمور وأمثالها. دون أي نتيجة إلاّ الاستدراج لتنازل بعد تنازل، ثمَّ الاقتتال والصّراع!