لقد وضح أن الطاقة المالية هي من الدول المانحة ومن إسرائيل. ففي أيّ لحظة يمكن أن توقف هذه المعونات، فيقاسي الفلسطينيون أشدّ أنواع المعاناة والإذلال.
وهنا يثور سؤال مهم: إذا كان هذا هو الحال في اللحظات الراهنة، فكيف سيكون حين يعود اللاجئون أو بعضهم، وحين يزداد السكان بشكل أو بآخر، وحين تقلُّ الموارد الذاتية والإمكانات؟!
هل هناك دراسات إيمانية حول هذه القضايا وأمثالها؟! هل هنالك خطط لمجابهة المستقبل؟!
هذه الأمور الواضحة الجليَّة ألم يُفكِّر بها أحد من الفلسطينيين؟! ألم يشعروا بما قدّموا من تضحيات ثمَّ لم ينالوا شيئاً، إلاّ أن تتقاذفهم السياسة الدولية يرمونهم حيناً يساراً وحيناً آخر يميناً، وحيناً هنا وحيناً هناك؟!
هذه اللحظات الحالية تمثّل لحظات التناقض والاضطراب في المواقف والتصريحات، وتمثّل لحظات الحَيَرة والارتباك، ومحاولة ستر العورات بوسائل متعدّدة بعد أن كُشِفت عوراتنا كلُّها، محاولة سَتْرها عن المسلمين أنفسهم، أما الأعداء فعوراتنا مكشوفة كلها لهم. إننا نخدع أنفسنا وحدنا، ونخدع الشعب والجماهير!
إن تجربة ثمانين عاماً من تاريخ قضية فلسطين لم نستفد منها شيئاً، فالوعود الكاذبة التي أُعطيت لنا قبل أكثر من ثمانين عاماً، والتي خُدِعنا بها وخسرنا بتصديقنا لها الشيء الكثير، فما زالت الوعود الكاذبة تُعطى لنا، وما زلنا نُخْدَعُ بها، وما زلنا نلهث وراءها، نسْتجدي من روسيا وفرنسا وإنكلترا وألمانيا وغيرها نظرة العطف وكلمة الإشفاق، وحتى الاعتراف بنا وبوجودنا ونحن نغرق في المصائب المتتالية وفي وحولها .
لقد تخلى الكثيرون عن إسلامهم وإيمانهم، ولم يعودوا يثقون بالله وبأن النصر من عنده فحسب، وجرى الكثيرون يلهثون يستجدون النصر من أوثان وأوهام، فينالون الصدمة بعد الصدمة، والإذلال بعد الإذلال، والهزائم بعد الهزائم.
مع ضخامة التجارب الحقيقية في الميدان، ومع وجود كتاب الله وسنة صلى الله عليه وسلم بين أيدينا، ومع كثرة المؤتمرات والندوات والمهرجانات وما فيها من شعارات وصراخ، مع ذلك كله لم نتعظ، ولم نصحُ، ولم نعدْ تائبين إلى الله خاشعين بين يديه، فما زلنا ننحرف عن الإسلام بالتصريحات والفتاوى والمواقف، بالارتجال وعدم الرويّة، بحبّ إثبات الذات في الساحة، ولو على حساب الدين والأمة، حتى وضح أن الكثيرين يطلبون الدنيا لا الآخرة، ويؤثرون الدنيا على الآخرة، خلاف ما يأمر به الله سبحانه وتعالى. ما زلنا ندويّ بالشعارات ونبتعد عن النهج والتخطيط والدراسات الإيمانية، وما زالت الشعارات تتساقط، وما زلنا في أوهام تمتدُّ، لم نستطيع أن نجعل شيئاً منها حقيقة!
لم ندرك، بالرغم من كثرة التجارب وجلاء الآيات، أننا كلما تنازلنا عن إيماننا وديننا وجاملنا الأعداء بِتَبنِّي مبادئهم حتى يرضوا عنا، كلما فعلنا ذلك زاد الأعداء من إذلالنا. فممالأة الأعداء ومراءاتهم وموالاتهم لم تعطنا أيَّ احترام لنا لديهم ولا أيَّ وفاء لوعود، ولا أيَّ توقُّف عن إذلالنا. كلّما جاملنا زاد إجرامهم بنا، والأمثلة كثيرة في التاريخ.
لا يوجد لدى المسلمين اليوم رؤية واحدة يجتمعون عليها، ولا هدف واحد يؤمنون به ويجاهدون من أجله، ولا يمثلون اليوم أمة مسلمة واحدة، صفّاً واحداً كالبنيان المرصوص، كما يريدها الله سبحانه وتعالى ويحبّه ويأمر به.
إنَّ جميع انحرافاتنا ومخالفاتنا لأمر الله تتجمع كلها في قضية واحدة رئيسة هي تمزُّقنا وتفرُّقنا شيعاً وأحزاباً مما يستوجب عقوبة شديدة من الله وعذاباً عظيماً كما نذوق بعضَه اليوم:
(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران:105]
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [الروم:30-32] .
وكذلك:
(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [الأنعام:159] .
إن الأخطار على العالم الإسلامي كله آخذة بالامتداد والازدياد، وليس أمام المسلمين إلاّ أن يعودوا إلى الله عودة صدق والتزام، وتوبة وإنابة، ثمَّ يلتقون صفّاً واحداً كالبنيان المرصوص يحملون رسالة الله كما أُنزلت على صلى الله عليه وسلم يبلّغونها إلى الناس كافّة، بعمل ممتد لا يتوقف. فإذا توقّف المسلمون عن حمل دعوتهم هذه، فإنَّ المجرمين في الأرض يبادرون إلى دعوة المسلمين إلى ضلالهم وفسادهم، ويلحّون بذلك. فإمَّا يقظة وعودة والتزام، وإما هلاك محتم وعذاب من عند الله عظيم.