وحتى يلتقي المسلمون أمة واحدة فلا بدَّ من منهج صادق نابع من الكتاب والسنّة، وقواعد الإيمان والتوحيد، ومدرسة النبوّة الخاتمة، مدرسة صلى الله عليه وسلم ، منهج لا يقوم على الأوهام المخدّرة ولا على الشعارات الطائرة المتساقطة والزخارف المغرية، وإنما يقوم على قواعد صدق تعالج واقعنا المؤلم المتدهور، منهج ونهجٍ تلتقي عليه القلوب والعزائم.
وأساس هذا النهج هو منهاج الله ـ قرآناً وسنّة ولغة عربية ـ يصاحبه المسلم صحبة منهجية صحبة عمر وحياة، كلٌّ قدر وسعه الصادق، لا وسعه الكاذب. إنه"نهج مدرسة لقاء المؤمنين وبناء الجيل المؤمن ومناهجها"، يُعرض في كتب توجزه وكتب تفصِّله.
لذلك، فقد فاجأتنا الأحداث الأخيرة في غزة بالاقتتال الدائر بين حماس وفتح، الاقتتال الذي استمرَّ أكثر من أسبوع سقط فيه عديد من القتلى والجرحى. وفاجأتنا بهدنة بعد هدنة لإيقاف القتال، لا تستمرّ إلاّ للحظات ثمَّ يستأنف القتال.
أول سؤال نطرحه على الطرفين: ما هو النهج والخطة التي وضعتموها منذ اللحظة الأولى التي انطلقتْ فيها شعاراتكم كلُّها لتحقيق شعاراتكم؟! هل كان هنالك خطّة مدروسة واعية للواقع المحلّي والدولي لتحقيق الأهداف المعلنة؟!
والسؤال الثاني: أين اختفت تلك الشعارات كلها؟!
والسؤال الثالث: شعار الدم الفلسطيني حرام! كيف جعلتموه حراماً ثمَّ حلّلتموه؟!
والسؤال الرابع: هل حقّاً تقاتلون في سبيل الله ملتزمين جميع الشروط الشرعية لمعنى في سبيل الله؟! وهل تريدون الدنيا وزهوتها أم الدار الآخرة؟ والله يعلم ما في القلوب.
والسؤال الخامس: كيف أحللتم نقض اتفاق مكة؟! أم أنه كان اتفاقاً لم يغيّر ما تضمره النفوس وتخفيه؟!
والسؤال السادس: أين الخلل؟! ومتى بدأ؟! وهل تورّطتم في مخالفة منهاج الله؟!
ارجعوا جميعكم فرداً فرداً إلى أنفسكم وحاسبوها حساباً شديداً، فالحياة الدنيا دار ابتلاء وتمحيص، والدار الآخرة دار حساب وجزاء. فإذا خرج الإنسان من هذه الدنيا لن يجد فسحة لمراجعة نفسه وإصلاحها، لا مجال للتوبة!
(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) .
[المؤمنون: 99-100]
إنَّ الذي حدث في أرض فلسطين أمر مروّع، مخيّب للآمال، فاجعة قاسية، كأنَّ الناس فقدوا إيمانهم ووعيهم، وتملكتهم العصبية الجاهلية القاتلة المحرّمة تحت شعارات الوطنية والديموقراطية وغيرها، وقست القلوب، ونُزِعَت الرحمة، وجال الشيطان في الساحة وفي النفوس يزيّن الباطل ويشوّه الحقّ، ويقطع الحبال والصّلات!
هل الخلل فينا قديم، ثمَّ أخذ ينمو مع الأيام حتى اتسع الانحراف، فغاب التناصح، وغاب التزام منهاج الله التزام نيّة وعزيمة وعلم، وغاب النهج والتخطيط وغلبت الشعارات وضجيجها، وبُحَّت بها الحناجر! إنه انحراف واسع عن نهج الإيمان والتوحيد ومنهاج الله! لا بدَّ من وقفة ويقظة ومحاسبة للنفس وتقويم للمسيرة! إلى أين تسيرون؟! وإلى أين تتجه الأحداث؟!
وإننا نُقدِّم هذا النهج بتفصيلاته ودراساته المفصّلة والموجزة، نقدّمه ونعرْضُه لكلٍّ مسلم ومسلمة، وكل حركة إسلامية، وكل جماعة ومجتمع، وكل من يريد الدار الآخرة ورضوان الله والجنَّة، ويجعل الدنيا ميدان جهاد ومجاهدة على صراط مستقيم إلى الهدف الأكبر والأسمى ـ الدار الآخرة ورضوان الله والجنة ـ، حتى يكون للمسلمين في الأرض منهج للبناء واحد ونهج واحد، كما كانوا أيام صلى الله عليه وسلم ، فيُبْنى بذلك جيلٌ مؤمن واحد في إيمانه وفكره وتصوّراته وفهمه للواقع، وفي أهدافه المحددة، ووسائله المحددة التي يمكن أن تتطور وتنمو مع الممارسة ومجابهة الأحداث المتجددة، في جوّ صادق من التعاون:
( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة:2]
"يجب أن نتعاون فيما أمر الله أن نتعاون فيه ويعذر بعضنا بعضاً فيما أذن الله لنا الاختلاف فيه".
ولا يمكن أن يقوم التعاون الصادق إلاّ إذا تحققت فينا نحن المسلمين أخوة الإيمان كما أمر الله سبحانه وتعالى:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)
[الحجرات: 10]
ولا تتحقق أخوّة الإيمان إلاّ إذا اتجهت القلوب كلها إلى الدار الآخرة وآثرتها على الحياة الدنيا، وصدقتْ إيمانها بالله وكتبه وملائكته ورسله، وتابت بين يديه وأنابت إليه:
(وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) [الزمر: 54-55]